للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

كيف نصلي على رجل مات، وهو يصلي على غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} " (١).

وأخرج الطبري عن قتادة: " إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! قال فنزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [سورة آل عمران: ١٩٩]، قال: قتادة، فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} " (٢).

قال الواحدي: " ومذهب قتادة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (٣)، فهذا قول ابن عباس عند عطاء الخراساني، وقال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله}، قال: فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق" (٤).

الخامس: أخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "لما هاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ، أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بضْعة عَشر شَهرًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام، وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنزل الله عز وجل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [سورة البقرة: ١٤٤] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ لله المشرق والمغرب} " (٥).

السادس: : وقال مجاهد: " لما نزلت: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: ١١٥] " (٦).

قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: ١١٥]، " أي لله مكان شروق الشمس ومكان غروبها والمراد جميع الأرض" (٧).

قال الطبري: "أي: "لله ملكهما وتدبيرهما" (٨).

قال الزمخشري: " أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها للَّه هو مالكها ومتوليها" (٩).

قال أبو السعود: " أي له كل الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي المشرق والمغرب لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان" (١٠).

قال ابن عثيمين: " يعني أن الله سبحانه وتعالى مختص بملك المشرق، والمغرب؛ وأما من سواه فملكه محدود .. ويحتمل أن المراد له كل شيء؛ لأن ذكر المشرق والمغرب يعني الإحاطة والشمول" (١١).


(١) أسباب النول للواحدي: ٣٧ - ٣٨.
(٢) تفسير الطبري (١٨٤٤): ص ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨٣٦)، و (١٨٣٧): ص ٢/ ٥٢٩.
(٤) أسباب النول للواحدي: ٣٧ - ٣٨.
(٥) تفسير الطبري (٢١٦٠): ص ٢/ ١٣٨ - ١٣٩، وابن أبي حاتم (١٣٢٩): ص ١/ ٢٤٨، وأسباب النزول للواحدي: ٣٩، وإسناده صحيح، انظر: لباب النقول: ٢٧، وهذا أصح الأسانيد عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: التفسير والمفسرون: ١/ ٧٧.
(٦) أخرجه الطبري (١٨٤٧): ص ٢/ ٥٣٤.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٧٩.
(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٦.
(٩) الكشاف: ١/ ١٨٠.
(١٠) تفسير أبي السعود: ١/ ١٥٠.
(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٢، قال الشيخ: " وقد وردت المشرق، والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: (مفردة، ومثناة، وجمع)؛ فجاءت مفردة هنا فقال تعالى: {ولله المشرق والمغرب}؛ وجاءت مثناة في قوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن: ١٧]، وجمعاً في قوله تعالى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} [المعارج: ٤٠]؛ والجمع بين هذه الأوجه الثلاثة أن نقول: أما (المشرق) فلا ينافي (المشارق)، ولا (المشرقين)؛ لأنه مفرد محلى بـ (أل)؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد؛ وأما {رب المشرقين ورب المغربين}، و {رب المشارق والمغارب} فالجمع بينهما أن يقال: إن جمع {المشارق}، و {المغارب} باعتبار الشارق، والغارب؛ لأن الشارق، والغارب كثير: الشمس، والقمر، والنجوم؛ كله له مشرق، ومغرب؛ فمن يحصي النجوم! أو باعتبار مشرق كل يوم، ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق، ومغرب؛ وللقمر مشرق، ومغرب؛ وثنَّى باعتبار مشرق الشتاء، ومشرق الصيف؛ فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب؛ ومشرق الصيف في أقصى الشمال؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ وسورة «الرحمن» أكثر ما فيها بصيغة التثنية؛ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق، والمغرب بصيغة التثنية؛ أما عند العظمة فذكرت بالجمع: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين} [المعارج: ٤٠، ٤١] ".

<<  <  ج: ص:  >  >>