قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى {يُعَلِّمَانِ}، ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (١).
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال:" الملكان يعلمان تعليم إنذار لا تعليم طلب"(٢).
ونصر هذا القول الطبري (٣)، وقواه الزجاج (٤)، قال ابن كثير:"وهذا الذي سلكه [يعني: ابن جرير] غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم (٥).
الوجه الثاني: أن الله عز وجل امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله بنهر طالُوت في قوله:{إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}[البقرة: ٢٤٩].
ويدل على صحة هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (٦).
وروي عن ابن عباس أنه قال: "أما السحر فمما علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان" (٧).
وقال الجمهور: "بل التعليم على عرفه" (٨). والله أعلم.
قال الواحدي: " وجه تعليم الملكين، أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة" (٩).
وقد ذكر ابن حجر إجازة بعض العلماء تعلم (السحر) لأحد أمرين (١٠):
(١) نقل هذا بطوله الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٥٥ مادة (علم)، ومنه أخذ الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٢٥٠، (٢) عزاه له أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٣٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٥٣ - ٥٤. (٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٤. (٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٨٣ - ١٨٤. (٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٢. (٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٠، ومعاني القرآن" للزجاج ١/ ١٨٣، "تفسير الطبري: ٢/ ٤٢٥، "تفسير السمعاني" ١/ ٥٧٥، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٢٨٣. (٧) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩٩٦)، و (٩٩٧): ص ١/ ١٨٨، ورواه الطبري بسنده عن مجاهد (١٦٧٧): ص ٢/ ٤٢٣، وروى نحوه (١٦٧٤): ص ٢/ ٤٢١، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره: ١/ ٢٥٠ وعزاه في الدر: ١/ ١٩٤ لعبد بن حميد. (٨) نقل الإجماع ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٧. (٩) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠١. (١٠) نقله ابن حجر، انظر: الفتح: ١٠/ ٢٢٦. ولم أهتد إلى القائل بذلك، لكن ممن أجاز تعلم السحر بإطلاق الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٣٠، بل وصل به الأمر إلى القول بوجوب ذلك، وقد تولى مناقشته والرد عليه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٦٢ - ٤٦٤. وأجاز أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٢٨ تعلم ما كان منه على صفة التخييل والدك والشعبذة إذا لم يقصد العمل به بل قصد معرفته لئلا تتم عليه مخايل السحرة وخدعهم، وجعله من المكروه إذا قصد به اللهو واللعب وتفريج الناس. والصحيح-والله أعلم-أن ما كان من السحر فيه استعانة بالشياطين فلا يجوز تعلمه؛ لأن ذلك يستلزم وقوع المتعلم في أنواع كثيرة من الكفريات كسب الله-عز وجل-أو كتابه أو أحد من رسله أو ملائكته، وكادعاء علم الغيب، وكاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية، أو السجود للشياطين أو الذبح والنذر لها ... إلخ وينبغي أن لا يكون خلافاً في حرمة تعلم ذلك. أما ما كان فيه تعلم سفك دم وتفريق بين الزوجين وخداع للخلق وكذب عليهم فلا شك في حرمته، وما قيل من حله لمن أراد تعلمه لكي لا ينطلي عليه خداع السحرة وحيلهم فلا؛ لأن الله-عز وجل-قال: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ} [البقرة: ١٠٢] وإذا أثبت الله أن السحر ضار ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض لا نفع فيه؟ وكيف يدعى فيه النفع؟ بالإضافة إلى أن تعلمه قد يكون ذريعة إلى العمل به والذريعة المفضية إلى الحرام يجب سدها. وأما ما كان فيه لهو ولعب وإظهار خفة الصنعة مع تصريحه بأن الأمر معتمد على مهارته وذكائه وليونة جسده مثلاً، لا أن يزعم أنه يستعين بشيطان أو يستعمل أدوية وأبخرة ونحو ذلك فالأمر متردد بين الجواز والكراهة حسب إغراقه لنفسه في ذلك من عدمه، والأولى تركه، ولكن لا ينبغي أن يسمى هذا النوع سحراً في غير اللغة. وأما إن كان يستعمل أدوية وأبخرة ونحو ذلك، فالأظهر الحرمة؛ لأن ذلك في الغالب ذريعة إلى التمادي في ذلك والكذب على الناس وخداعهم والاستعانة بالمردة والشياطين وتعليق قلوب الخلق بغير الله-عز وجل-، والله أعلم. انظر: الفروق للقرافي: ٤/ ١٤٠، أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤، السحر بين الحقيقة والخيال د. الحمد: ١٥٢ - ١٥٣، وغيرها.