وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر (١)، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها (٢)، وهو التعبد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلاً (٣)، قال النووي (٤): "عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإِجماع"(٥).
واختلفت القراءة في قوله تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ}[البقرة: ١٠٢]، على وجهين:
أحدهما:{يُعَلِّمَانِ} بالتشديد من التعليم.
والثاني:{يعْلمان}، وفي الشاذ بسكون العين من الإِعلام (٦)، وهي قراءة طلحة بن مصرف، بناء على أن التضعيف يتعاقب مع الهمزة، وذلك أن الملكين لا يعلمان الناس السحر بل يُعْلِمَانِهم به وينهيانهم عنه.
والوجه الأول أشهر (٧).
واختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير فيه وجهين (٨):
أحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (٩).
ويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (١٠).
قال قيس بن زهَير (١١):
تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم
أي: اعلم (١٢).
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٣، فتح القدير للشوكاني: ١/ ١٧٨، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٣، أضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٤٢، وغيرها. (٢) انظر: فتح الباري: ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣. (٣) هذا الإيضاح والتفصيل في حكم السحر وتعلمه هو غاية التحقيق في المسألة، وبه يزول الإشكال وتجتمع الأدلة، فالسحر الذي من قبل الشياطين كفر لأنه لا يتأتى بدون الشرك وعبادة الشياطين والكواكب، وعلى هذا النوع يحمل كلام من أطلق من أهل العلم كفر السحر والساحر ومعلمه ومتعلمه إذ أنهم لا يرون سحراً في الاصطلاح غيره، أما النوع الآخر فليس بسحر في الاصطلاح عندهم وإن سمي سحراً فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحراً. أما سحر الأدوية والتدخين والاستعانة بخواص الأشياء والأخذ بالعيون وخداعها حتى ترى الشيء على خلاف ما هو عليه: فليس بكفر، ولكنه حرام حرمة شديدة لمضرة بعضه واعتماد بعضه على الكذب على الناس وخداعهم، ويعزر من يفعله تعزيراً بليغاً، وعلى هذا النوع يحمل كلام من رأى من أهل العلم أن أنواعاً من السحر ليست بكفر، والله أعلم. انظر: الفروق للقرافي: ٤/ ١٣٥ - ١٤١، والمغني لابن قدامة: ١٢/ ٣٠٤، والإنصاف للمرداوي: ١٠/ ٣٤٩ - ٣٥٠، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله: ٣٨٣ - ٣٨٤، وأضواء البيان للشنقيطي: ٤/ ٤٥٦، ونواقض الإيمان القولية والعملية لـ د. العبد اللطيف: ٥٠٣ وما بعدها. (٤) انظر: شرح النووي على مسلم: ١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣ عند الكلام على حديث عائشة رقم: ٢١٨٩، وسحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم. (٥) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٣٥/ ١٧١، مختصر الفتاوى المصرية: ١٥١، حاشية ابن عابدين: ٤/ ٢٤٠، نواقض الإيمان القولية والعملية لـ د. العبد اللطيف: ٥٠٣، السحر بين الحقيقة والخيال لـ د. الحمد: ١٤٦. (٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٢٢. (٧) انظر: الدر المصون للسمين: ١/ ٣٢٢، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٣٠، والفتح: ٥/ ٣٣٦. (٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩ - ٢٠١. (٩) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ٢٥٥٤ مادة (علم)، ومنه نقل الثعلبي ١/ ٢٥٠، والواحدي في البسيط: ٣/ ١٩٩. (١٠) نقله عن ابن الأعرابي والأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٥٤، والقرطبي في "تفسيره" ٢/ ٤٨، وينظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٣٠، والواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩. (١١) البيت لقيس بن زهير في "مقاييس اللغة" ٤/ ١١٠، و"لسان العرب" ٥/ ٣٠٨٣ مادة (علم). (١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ١٩٩.