أحدهما: تعلمه لتمييز ما فيه كفر عن غيره، فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً (١)، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان (٢)؛ لأن كيفية ما يعلمه الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به.
والثاني: تعلم السحر لإِزالته عمن وقع فيه، فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلاً وإلا جاز للمعنى المذكور (٣) ... والله أعلم (٤).
وقد ذكروا في قوله تعالى:{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ}[البقرة: ١٠٢]، وجهين من التفسير (٦):
أحدهما: إنما نحن ابتلاء من الله، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به.
والثاني: أن هذا السحر بلاء ابتلينا به، وإنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا. قاله قتادة (٧).
مفتونان فلا تكن مثلنا.
ومعنى (الفتنة) في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (٨)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله عز وجل:{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}[الذاريات: ١٣]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين (٩)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: {الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ} إلى قوله: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت: ١ - ٢] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله:{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[العنكبوت: ٣]، أي: اختبرنا (١٠).
(١) لكنها لا تستلزم تعلم ممارسته إذ يمكن معرفة حقيقة السحر وأنواعه بدون تعلم ممارسته، وامتلاك القدرة على ذلك، كالاجتهاد يمكن لكل أحد معرفة حده وشروطه دون أن يكون قادراً على ممارسته، وكاللغات يمكن لكل أحد التعرف على خصائصها والفروق بينها دون أن يكون قادراً على نطقها، انظر: السحر بين الحقيقة والخيال للحمد: ١٥٣ - ١٥٤. (٢) قال د. الحمد في كتابه السحر بين الحقيقة والخيال: ١٥٤: "المثال الذي قاس عليه ابن حجر: الجواز مختلف عن المقاس تماماً لأن عبادة الأوثان بأي صفة كانت-دعاء أو ذبحاً أو خوفاً أو رجاء أو غيرها-علمها لذاته ليس محذوراً بل هو مشروع، وإنما المحذور فيها صرفها لغير مستحقها الله-تبارك وتعالى-أما السحر فهو ممنوع تعلماً وتطبيقاً، ومر ذكر رأي الجمهور في منع تعلم السحر مطلقاً فالحال مختلفة وحكمها كذلك". (٣) الصحيح أن تعلم السحر لحل السحر وإزالته عمن وقع فيه لا يجوز لما سبق بيانه في حكم تعلم السحر. وحل السحر عن المسحور يختلف حكمه من حالة إلى أخرى، فإن كان بسحر فإما أن يكون كفراً إن كان ذلك باستخدام الشياطين وتقديم القرابين لها، وإما أن يكون معصية وفسقاً إن كان بالرقى والعقد والنفث وسائر الأمور غير المشروعية. وأما إن كان بدواء حسي مباح عرف عن طريق الوحي أو التجربة نفعها كاستخراج السحر من المكان الذي وضع فيه وإبطاله وكسدر وعسل وحبة سوداء ونحو ذلك، أو كان بدواء معنوي كقراءة القرآن والأدعية المأثورة أو المباحة فأمر جائز بل مشروع لأنه من باب الدواء والمعالجة وفيه فضل كبير لمن ابتغى به وجه الله تعالى. انظر: زاد المعاد لابن القيم: ٤/ ١٢٤ - ١٢٧، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن ابن حسن: ٢٤١ - ٢٤٣، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين: ٢/ ٦٩ - ٧٦، السحر بين الحقيقة والخيال د. الحمد: ١٨٧ - ١٩٦. (٤) الفتح: ١٠/ ٢٢٦. (٥) التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٥. (٦) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٩٨. (٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٢): ص ١/ ١٩٢. (٨) اتظر: مقاييس اللغة: ٤/ ٤٧٢، مادة: (فتن). (٩) انظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٣٨، مادة: (فتن). (١٠) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٧٣٨، مادة: (فتن).