الأول: أنه "الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر". قاله مكي (١).
وضعّفه ابن عطية (٢).
والثاني: وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: {لا تعبدون إلا الله} وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه.
قال ابن جريج: " الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة المائدة (٣) " (٤). وروي عن أبي العالية نحوه (٥).
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، " وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم، على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام" (٦).
قوله تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة: ٨٣]، أي: " بأن لا تعبدوا غير الله" (٧).
قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره" (٨).
واختلف في موضع {لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: ٨٣]، من الأعراب على خمسة أقوال (٩):
القول الأول: قال الكسائي (١٠): رفعه على: أن لا يعبدوا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا، إلا أنه لما أسقطت (أن) رفع الفعل كما قال طرفة (١١):
ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه (أن)، وأجاز هذا الوجه الأخفش (١٢) والفراء (١٣) والزجاج (١٤) وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.
وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين (١٥):
أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت، وكقوله تعالى: {نَاقَةَ الله} [الشمس: ١٣] أي: احذروا، وكقوله: {قَالُوا مَعْذِرَةً} [الأعراف: ١٦٤] أي: موعظتنا معذرة.
والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.
(١) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.
(٣) ذكره في الآية (٧) {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [المائدة: ٧].
والآية (١٢): {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [المائدة: ١٢]
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٥): ص ١/ ١٦٠.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٣٤): ص ١/ ١٦٠.
(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٧٢.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٤): ١/ ١٦٠.
(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٠١٣، والتفسير البسيط: ٣/ ١٠٣ - ١٠٥، ومعاني القرآن" للأخفش ١/ ١٣٣، "تفسير الطبري" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، اولبيان لابن الأنباري ١/ ١٠١، والبحر المحيط" ١/ ٢٨٣، ومفاتيح الغيب: ٢/ ١٥٠.
(١٠) نقله عن الكسائي الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠١٣، وينظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٣٣، "تفسير الطبري" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، "البيان" لابن الأنباري ١/ ١٠١، "البحر المحيط" ١/ ٢٨٣.
(١١) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٣٢؛ والإنصات ٢/ ٥٦٠؛ وخزانة الأدب ١/ ١١٩، ٨/ ٥٧٩؛ والدرر ١/ ٧٤؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٨٥؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٠٠؛ والكتاب ٣/ ٩٩، ١٠٠، ولسان العرب ١٣/ ٣٢ (أنن)، ١٤/ ٢٧٢ (دنا)؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٢؛ والمقتضب ٢/ ٨٥؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤٦٣، ٨/ ٥٠٧، ٥٨٠، ٥٨٥؛ والدرر ٣/ ٣٣، ٩/ ٩٤؛ ورصف المباني ص ١١٣؛ وشرح ابن عقيل ص ٥٩٧؛ ومجالس ثعلب ص ٣٨٣؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٣، ٦٤١؛ وهمع الهوامع ٢/ ١٧.
اللغة والمعنى: الوغى: الحرب. مخلدي: ضامن بقائي خالدا.
(١٢) انظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ١٢٦.
(١٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٥٣.
(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٦٣.
(١٥) مقولة المبرد نقلها الواحدي في التفسير البسيط: ٣/ ١٠٣، والقرطبي في تفسيره: ٢/ ١٣.