قال ابن عثيمين: "أي ماكثون لا يخرجون منها" (١).
قال ابن عباس: "فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له" (٢).
من فوائد الآية:
١. أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله عزّ وجلّ، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٣). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٤). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٥) ".
٢. ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح.
٣. ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: {آمنوا وعملوا الصالحات {، ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم.
٤. ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: {الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} [الزمر: ٢٣]؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك.
٥. ومنها: إثبات الجنة.
٦. ومنها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله سبحانه وتعالى به في آيات عديدة (٦).
القرآن
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)} [البقرة: ٨٣]
التفسير:
واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمساكين، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: ٨٣]، " أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل" (٧).
قال الصابوني: " أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد" (٨).
واختلف أهل العلم في الميثاق على قولين (٩):
(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٢): ص ١/ ١٥٩.
(٣) أخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد، باب ٤: تحريم الرياء، حديث رقم ٧٤٧٥ [٤٦] ٢٩٨٥.
(٤) أخرجه البخاري ص ٢١٤، كتاب الصلح، باب ٥: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٦٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٨٢ – ٩٨٣، كتاب الأقضية، باب ٨: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٤٤٩٣ [١٨] ١٧١٨، واللفظ لمسلم.
(٥) أخرجه البخاري ص ٢٠١ – ٢٠٢، كتاب المكاتب، باب ٣: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم ٢٥٦٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٣٧، كتاب العتق، باب ١: ذكر سعاية العبد، حديث رقم ٣٧٧٩ [٨] ١٥٠٤.
(٦) قال ابن عطية: " يدل هذا التقسيم على أن قوله {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}، الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضا قوله: {أَحاطَتْ}، لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم". [المحرر الوجيز: ١/ ١٧١].
(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٦.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٥.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢.