يقال: تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: ٧٩]، ومنه قول الشاعر (١):
تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ بالقليل
والرابع: أنه الخزي والهوان.
والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم، وهذا قول أبي سعيد الخدري (٢)، وعطاء بن يسار (٣).
والسادس: أنه جبل في النار، وهو قول عثمان بن عفان (٤).
والسابع: وقيل: هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها (٥)، وأصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} [الكهف: ٤٩].
قال سيبويه (٦): (ويح) كلمة زجر لمن أشرف على هلكة، و (ويل) لمن وقع فيها (٧).
والثامن: وقيل: ويل كلمة وعيد (٨).
وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال الشاعر (٩):
لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى وَلا أُمُّ هَاشِمٍ ... قرِيبٌ وَلا البَسباسَةُ ابنةُ يَشكُرَا
وقال أيضا (١٠):
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ! ، إنَّكَ مُرْجِلِي
والتاسع: أنه باب من أبواب جهنم. حكاه الزهراوي (١١).
نستنتج مما سبق بأن (الْوَيْلُ): هو الْهَلَاكُ والحزن والعذاب والهوان في اللغة، وقيل: هو وادٍ في جهنم من عصارة أهل النار، والله أعلم (١٢).
(١) لم أتعرف على قائله، والبيت في: الممتع في التصريف" ٢/ ٥٦٨، وفي "لسان العرب" ٨/ ٤٩٣٩، "المعجم المفصل" ٦/ ٥٨٧.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥، وعبد بن حميد ٩٢٤، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (٣١٦٤)، وتفسير الطبري (١٣٨٧): ص ٢/ ٢٦٩، وابن أبي حاتم (٧٩٨): ص ١/ ١٥٣، والحاكم ٢/ ٥٠٧ أبو يعلى في "مسنده" ٢/ ٥٢٣ والبيهقي في "البعث والنشور" برقم ٥٣٧ من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف.
وقد اختلف أهل العلم في ثبوت هذا الحديث فصححه الحاكم ووافقه الذهبي في التلخيص، وصححه ابن حبان والشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري، وحسنه حمزة الزين في تخريجه لأحاديث المسند. وضعفه الترمذي في السنن إذ قال بعد تخريجه له: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث ابن لهيعة"، وتعقبه ابن كثير في دعوى تفرد ابن لهيعة به مع قوله بتضعيفه إذ قال في التفسير: ١/ ١٤٩ "قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده وهذا الحديث بهذا الإسناد-مرفوعاً-منكر، والله أعلم". كما ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: ٨٨٧ رقم: ٦١٤٨، وشعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان، وحسين سليم أسد في تخريجه لمسند أبي يعلى، ومدار ذلك على دراج بن سمعان السهمي وفيه خلاف كثير، فوثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه الجمهور كأحمد والنسائي والدارقطني وابن عدي وغيرهم، انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٣/ ٤٤١، وميزان الاعتدال للذهبي: ٢/ ٢٤، وتهذيب التهذيب لابن حجر: ٣/ ٢٠٨، وغيرها. والأظهر فيه الضعف، وبالتالي عدم ثبوت هذا الحديث.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٠٠): ص ١/ ٢٥٣، والطبري (١٣٩٦): ص ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٦): ص ٢/ ٢٦٨. في الحديث راويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة، وهما إبراهيم بن عبدالسلام بن صالح التستري، وعلي بن جرير. عليه لا أظن يقوم إسناده، ووصفه ابن كثير بأنه "غريب جدا"، انظر تفسيره: ١/ ٢١٧، وقد ذكره السيوطي أيضًا ١/ ٨٢، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.
(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٦٠، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٠٦، وهذا القول على أن ويل مصدر لا فعل له يراد به الدعاء بشدة الشر والهلاك، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٧٧، ومبهمات القرآن للبلنسي: ١/ ١٦٣.
(٦) هو: الإمام أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، رأس البصريين في النحو، وسيبوبه لقبه، أخذ عن الخليل وأبي زيد وغيرهم، توفي عام: ١٨٠ هـ، ومن مصنفاته: الكتاب. انظر: أخبار النحويين للسيرافي: ٦٣، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ٤٦٣، بغية الوعاة للسيوطي: ٢/ ٢٢٩، المدارس النحوية لشوقي ضيف: ٥٧.
(٧) انظر: الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٣١، وقد ذكر عن سيبويه التفريق غير واحد كابن منظور في لسان العرب: ٦/ ٤٩٣٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٨، والسمين في الدر المصون: ١/ ٢٧٠.
(٨) قال الكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: ٢/ ١٠٥١ (فَوَيْلٌ): "كلمة وعيد"، وقال الرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ١٥٠: "قال القاضي: (وَيْل) يتضمن نهاية الوعيد"، ووعيد القادر يلزم منه الخوف والردع.
(٩) البيت لامرىء القيس، انظر: ديوانه بتحقيق حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط ٣، ١٩٩٥: ص: ٣٤١.
(١٠) ديوانه: ٣٠.
(١١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٠.
(١٢) جاء في فتح القدير للشوكاني (١/ ١٢٣): وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ فِي الْوَيْلِ وَيْ: أَيْ حُزْنٌ، كَمَا تَقُولُ: وَيْ لِفُلَانٍ: أَيْ حُزْنٌ لَهُ، فَوَصَلَتْهُ الْعَرَبُ بِاللَّامِ، قَالَ الْخَلِيلُ: وَلَمْ نَسْمَعْ عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا وَيْحَ، وَوَيْسَ، ووَيْهَ، وَوَيْكَ، وَوَيْبَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهَا قَوْمٌ وَهِيَ مَصَادِرُ لَمْ يَنْطِقِ الْعَرَبُ بِأَفْعَالِهَا، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ به وإن كان نكرة لأن فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ. انتهى. وقال أبو السعود في تفسيره (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٢٠): ومعنى الويلِ شدةُ الشر قاله الخليل. وقال الأصمعيُّ: الويلُ التفجُّع، والويحُ الترحُّم. وقال سيبويه: ويلٌ لمن وقع في الهَلَكة، وويحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلاك. وقيل الويلُ الحزن، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه وبينها فرق؟ وقيل: ويل في الدعاء عليه، وويح وما بعده في الترحم عليه. وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهما: الويلُ العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم. ورَوى أبو سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله تعالى عنه عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: الويلُ وادٍ في جهنمَ يهوي فيه الكافرُ أربعينَ خريفاً قبل أنْ يبلُغ قَعْرَه. (قال الألباني: ضعيف، التعليق الرغيب (٤/ ٢٢٩)، ضعيف الجامع الصغير (٦١٤٨). وقال سعيد ابن المسيب: إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه. وقال ابن بريدة: جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل صهريج في جهنم وحكى الزهراوي أنه باب من أبواب جهنم. انتهى.