للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: ٦١]، أي: "وقتلهم رسل الله ظلماً وعدواناً" (١).

قال الطبري: يعني: " أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم" (٢).

وفي قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: ٦١]، وجهان (٣):

أحدهما: أن الله عز وجل؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره، وليس ذلك بخذلان لهم، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته.

والثاني: وهو قول الحسن، أن الله عز وجل، ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء.

و(الأنبياء) جمعُ (نبيٍّ) وقد جاء في جمع (نبيٍّ): (نُبَّاء) (٤)، قال العباس ابن مرداس السُّلمي، يمدح النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) (٥):

يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا

فقال: (يا خاتم النبآء)، على أن واحدهم: (نبيء)، مهموز. وقد قال بعضهم (٦): النبي والنبوة، غير مهموز، لأنهما مأخوذان من: النَّبْوَة، وهي مثل: النَّجْوَة، وهو المكان المرتفع (٧).

وفيما أُخذ منه اسمُ (النبيِّ)، ثلاثة أقاويل (٨):

أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى} [النجم: ٣٦].

والثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي (٩):

لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها ... مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل

فَسُمِّيَ رسُول الله-صلى الله عليه وسلم- نبيّاً، لأنه الطريق إليه.

والثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة.

واختلفت القراءة في قوله عزَّ وجلَّ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: ٦١]، على وجهين (١٠):

الأول: القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة.

والثاني: وجماعة من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، {النبيئين}.

قال الزجاج: " والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزاً من فعيل فجمعه: فُعَلاء، مثل: ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ" (١١).

قوله تعالى: {ذَلِكَ} [البقرة: ٦١]، أي" المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق" (١٢).


(١) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.
(٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٢.
(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣٠.
(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤١، والنكت والعيون: ١/ ١٣١.
(٥) من أبيات له في سيرة ابن هشام ٤: ١٠٣ وغيرها. والضمير الفاعل في قول " هداكا "، لله سبحانه وتعالى، دل عليه ما في قوله " إنك مرسل بالخير "، فإن الله هو الذي أرسله. وهو مضبوط في أكثر الكتب " كل " بالرفع، و " هدى "، و " هداكا " بضم الهاء.
(٦) كأنه يريد الكسائي، أنظر: البحر المحيط: ١/ ٢٢٠ ..
(٧) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤١ - ١٤٢.
(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٣١.
(٩) ديوان: ٤، في قصيدته الجيدة المشهورة، والضمير في " وردن " للإبل ذكرها قبل. وروايته " واستتب بنا ". نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب، ذكره القطامي في كثير من شعره. واستتب الأمر والطريق: استوى واستقام وتبين واطراد وامتد. مسحنفر، صفة للطريق: واسع ممتد ذاهب بين. والسبح: ضرب من البرود أو العباء مخطط، يلبس، أو يستتر به ويفرش. شبه آثار السير عليها بخطوط البرد. وسجلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها. ووصف الطريق بذلك، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا.
(١٠) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٤٥.
(١١) معاني القرآن: ١/ ١٤٥.
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>