للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده: " اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي " مصر " التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في " مصر "، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: {قواريرا قواريرا من فضة} [الإنسان: ١٥ - ١٦] منونة اتباعا منه خط المصحف، وأما الذي لم ينون " مصر " فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها (١).

قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: ٦١]، " أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة" (٢).

قال الواحدي: " أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم" (٣).

قال ابن كثير: أي"وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون" (٤).

قال الراغب: "أي ألزمت وأوجبت، تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به" (٥).

يقال: ضرب عليه كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، ومنه الضريبة، يقال: ضرب السلطان على التجار ضريبة أي ألزمهم، ضربة لازم ولازب (٦)، ومنه قول النابغة (٧):

وَلا يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ... لا يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازَبِ

و(الذلة): هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال عز وجل: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩] (٨).

أخرج الطبري: "عن الحسن وقتادة في قوله: {وضربت عليهم الذلة}، قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون" (٩).

وأما {المسكنة} في هذا الموضع، مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها (١٠).

وأخرج الطبري: " عن أبي العالية في قوله: {والمسكنة} قال: الفاقة" (١١).

وروي عن السدي: في "قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة}، قال: الفقر" (١٢).

وقال الزجاج: " (الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون، إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته" (١٣).


(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٤.
(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٥٨٩.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢١٢.
(٦) انظر: تهذيب اللغة" (لزب) ٤/ ٣٢٥٨، "اللسان" (لزب) ٧/ ٤٠٢٥ - ٤٠٢٦، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٨٩.
(٧) ديوانه: ٣٣، وانظر: "الزاهر" ١/ ٦٠٩، "تهذيب اللغة" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦، "المخصص" ١٢/ ٦٨، "مقاييس اللغة" (لزب) ٥/ ٢٤٥، "اللسان" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٩) تفسير الطبري (١٠٨٨): ص ٢/ ١٣٧.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.
(١١) تفسير الطبري (١٠٨٩): ص ٢/ ١٣٧.
(١٢) أخرجه الطبري (١٠٩٠): ص ٢/ ١٣٧.
(١٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>