للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقوله (سجدا)، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (١):

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ ... كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً

فذلك تأويل ابن عباس قوله: (سجدا) ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (٢).

قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨]، "أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا" (٣).

والـ {حِطَّةٌ}: من قول القائل: " حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة " (٤)، واختلف أهل العلم في تفسيره على أقوال (٥):

الأول: أن معناه: حُطَّ عنا خطايانا، وهو قول الحسن (٦)، وقتادة (٧)، وابن زيدٍ (٨)، وعطاء (٩)، ورواية ابن جريج عن ابن عباس (١٠).

قال الماوردي: "وهو أشبهُ بظاهر اللفظ" (١١). وهذا تفسير حسن، قال به كثير من أهل العلم (١٢).

والثاني: أن معناه: قولوا (لا إله إلا الله). روي ذلك عن عكرمة (١٣)، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله.

والثالث: أن {حِطَّة} المغفرة، فكأنه أمر بالاستغفار، وهو رواية سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (١٤)، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٥).

والرابع: أنه قولهم: "هذا الأمر حق كما قيل لكم" (١٦)، وهو رواية الضحاك، عن ابن عباسٍ (١٧).

الخامس: معناه: " أن أقروا بالذنب". حكاه الأوزاعي عن ابن عباس (١٨).

السادس: أن معنى (حِطَّةٌ): بسم الله، ذكره السمرقندي (١٩) عن بعضهم، فكأن المعنى عليه: ادخلوا الباب خاضعين لله مستعينين به على عدوكم، فإن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم نتيجة امتثالكم، وهو محتمل.

والسابع: أن (حِطَّة) من ألفاظ أهل الكتاب لا يعرف المراد منها، قاله الأصم (٢٠).


(١) ديوانه: ٤١. راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا:
وولّى عامدا لِطِيات فَلْج ... يراوح بين صون وابتذال
وقوله: " من صلوات " " من " هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق ". وحذف " بين " التي تقتضيها " يراوح "، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: " طورا. . وطورا ". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.
(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٠٦، والنكت والعيون: ١/ ١٢٦.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٩): ص ٢/ ١٠٥، وابن أبي حاتم (٥٨٤): ص ١/ ١١٩.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠٠٩): ص ٢/ ١٠٥، وابن أبي حاتم (٥٨٤): ص ١/ ١١٩.
(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٠): ص ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٩) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٤): ص ٢/ ١٠٦.
(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠١١): ص ٢/ ١٠٦.
(١١) النكت والعيون: ١/ ١٢٦.
(١٢) انظر: غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: ٧٠، معاني القرآن للأخفش: ١/ ٢٦٩، تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٨٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ١٢٦، المفردات للراغب: ١٢٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٥٨، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: ١/ ١٠٤، محاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ١٣٤، وغيرها.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٥): ص ٢/ ١٠٧، وابن أبي حاتم (٥٨٢): ص ١/ ١١٨.
(١٤) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٢): ص ٢/ ١٠٦، وفيه: ": (حطة)، مغفرة". وأنظر: الخبر (١٠١٦): ص ٢/ ١٠٦. وفيه": أمروا أن يستغفروا".
(١٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٨.
(١٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ١٠٦ - ١٠٧.، ويقرب منه ما ذكره السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ٨٤ من أن المعنى صواباً، فكأن المطلوب منهم: الإقرار بصدق الرسول فيما جاء به، والتسليم وعدم التكذيب، وهو محتمل.
(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٠١٧): ص ٢/ ١٠٧، وابن أبي حاتم (٥٨١): ص ١/ ١١٨.
(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٣): ص ١/ ١١٨.
(١٩) أنظر: بحر العلوم: ١/ ١٢١.
(٢٠) أنظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، وذكر ذلك السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: ٨٣ - ٨٤، وهو قول بعيد إذ اللفظة معلومة الاشتقاق في العربية.

<<  <  ج: ص:  >  >>