للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

١. من فوائد الآبة: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: {لعلكم تشكرون}؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر (١):

أفادتكم النعماء مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا

٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: {لعلكم تشكرون}؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة.

القرآن

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)} [البقرة: ٥٧]

التفسير:

واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.

قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: ٥٧]، "أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة" (٢).

قال الثعلبي: "في التيه تقيكم حرّ الشمس" (٣).

قال ابن عثيمين: " أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام" (٤).

قال ابن عباس: "ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام" (٥). وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو ذلك (٦).

و(الْغَمَامَ): جمع (غمامة)، كما السحاب جمع سحابة، (والغمام) هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما (٧)، وأصل الغمام من (الغم): ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس. قال تعالى: {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: ٢١٠]. والغمى مثله، ومنه: غم الهلال، ويوم غم، وليلة غمة وغمى، قال الشاعر (٨):

ليلة غمى طامس هلالها ... أو غلتها ومكره إيغالها

وغمة الأمر أي كربة، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: ٧١]، يقال: غم وغمة. أي: كرب وكربة، والغمامة: خرقة تشد على أنف الناقة وعينها، وناصية غماء: تستر الوجه (٩).

وفي {الْغَمَامَ} الذي ظلله الله عليهم أربعة أقوال (١٠):


(١) لم أتعرف على قائله، والبيت في الصحاح: ٥/ ١٧١، والمستطرف: ١/ ٥٠٥، وشرح التسهيل: ١/ ٥٦، وتفسير الكشاف: (١/ ١٠٩)، وتفسير ابن كثير: (١/ ١٢٨)، وتفسير البيضاوي: (١/ ٧٧)، وتفسير أبي السعود: (١/ ١٨)، وتفسير النسفي: (١/ ٥)، ونواهد الأبكار وشوارد الأفكار: ١/ ١٥٧.
والمعنى: أفادتكم أنعاماتكم علي ثلاثة أشياء: المكافأة باليد ونشر المحامد باللسان، ووقف الفؤاد على المحبة والاعتقاد.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.
(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٠.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩٥.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٧): ص ١/ ١١٣.
(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١١٣.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٠. وتفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٨) الرجز في اللسان (غم)؛ والمجمل ٣/ ٦٨٠؛ والمشوف المعلم ٢/ ٥٥٣؛ وأساس البلاغة (غمم)، ولم ينسب. وإصلاح المنطق ص ٢٨٢.
(٩) انظر مرفردات ألفاظ القرآن، الراغب: ٥٧٩ - ٥٨٠.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٠ - ٩١.

<<  <  ج: ص:  >  >>