قتلت، وحلت محلها النفس الطاهرة اللوامة التى تقهر الشهوات قهرا، والشرور دائما من الأهواء والشهوات، واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير فى كلام العرب، وفى القرآن كقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ٣]، وإن هذا النص الكريم يشير إلى أن التوبة النصوح التى يقبلها الله تعالى، ويغفر بها الذنوب توجب قهر الشهوات والأهواء وقتل منابعها فى النفس (١).
ومن ذلك قول حسان (٢):
إن التي ناولتني فرددتها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تقتل
ذكر الآلوسي هذا القول، وعقب عليه قائلا: "ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا" (٣).
والثالث: وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة، أي يقتلُ البريءُ المجرمَ، "وكان السببُ في امتحانِهم بذلك: أنهُ كان فيهم من عَرَفَ بطلانَ عبادة العجلِ؛ إلا أنَّهم لم يَنْهَوا الآخرين لخشيةِ وقوع القتلِ فيما بينهم، فابتلاهم اللهُ بما تركُوا النهيَ عن المنكر لأجلهِ" (٤).
وجمهور المفسرين أخذوا بظاهر اللفظ وهو (القتل)، إذ هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لوجود الروايات التي تؤكد ذلك (٥). والله أعلم.
قد واختلفوا فيمن خوطب بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ٥٤]، على ثلاثة أوجه (٦):
أحدها: أنه خطاب للكل. قاله السدي عن أشياخه (٧).
والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد. قاله مقاتل (٨).
والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. قاله أبو سليمان الدمشقي (٩).
واختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أم وقع جهاراً بدون ظلمة؟ ، فذكروا فيه وجهين (١٠):
الأول: أنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضاً وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضاً، ولا يدري مَن قتل (١١).
والثاني: وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهراً بدون ظلمة.
والقول الثاني أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً عِياناً، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى.
(١) انظر: زهرة التفاسير، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بيروت- لبنان، : ١/ ٢٤٣ - ٢٣٥.
(٢) ديوانه: ص ٧٥، ٧٦، وانظر: خزانة الأدب: ٤/ ٣٨٥.
(٣) روح المعاني: ١/ ٢٦١.
(٤) تفسير الطبراني: ١/ ٣٩.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٤ ومابعدها. ومن تلك الروايات، قال الطبري: " وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: (يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) إلى قوله: (فكذلك ألقى السامري) [طه: ٨٦ - ٨٧]. فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه (قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: ٩٤]. فترك هارون ومال إلى السامري، ف (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) إلى قوله: (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) [طه: ٩٥ - ٩٧] ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٩٣]. فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ". فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! ! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدا، ومن بقي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). (انظر: تفسيره: ٢/ ٧٤ - ٧٥).
(٦) أنظر: زاد المسير: ١/ ٨٢.
(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٣): ص ١/ ١١١. ولفظه: " فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف .. ".
(٨) نقلا عن زاد المسير: ١/ ٨٢، وأخرج الطبري نحوه عن ابن عباس، انظر: تفسير الطبري (٩٣٦): ص ٢/ ٧٣.
(٩) نقلا عن زاد المسير: ١/ ٨٢.
(١٠) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٠٩.
(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٤.