قال ابن عباس ومجاهد:" قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد"(٣).
قال ابن عثيمين: أي: "ليقتل بعضكم بعضاً"(٤).
واختلف في تفسير قوله تعالى:{فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}(٥)[البقرة: ٥٤] على ثلاثة أوجه (٦):
أحدها: قيل معناه: أنهم قاموا صفين، يقتل بعضهم بعضا (٧)، قاله ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، ومجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، والحسن (١٢)، وأبو عبدالرحمن (١٣).
وقالوا: إنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه (١٤)، فقد روي عن أبي عبدالرحمن، أنهم " عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا"(١٥)، "حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة: "كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي" (١٦).
واعترض القاضي عبدالجبار أن يكون الله قد أمر بني اسرائي بقتل أنفسهم، وقد ردّ الآلوسي على اعتراضه (١٧).
والثاني: وقيل معناه البخع، فقوله {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: أى فابخعوها واجعلوها مطية ذلولا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها
(١) البحر المحيط: ١/ ٢٠٣. (٢) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٨. (٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٣٥): ص ٢/ ٧٢. (٤) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٨. (٥) الفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية: إن الفاء في قوله تعالى (فتوبوا) للسبب لأن الظلم سبب التوبة, في حين أن الفاء في قوله تعالى (فاقتلوا) للتعقيب، لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله: [فتوبوا] أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والفاء في قوله تعالى (فتاب عليكم) فاء الفصيحة، أي: المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم. (انظر: تفسير النيسابوري: ١/ ٤١٢). (٦) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ١٤٠. (٧) قاله أبو العالية، أنظر: تفسير الطبري (٩٤٠): ص ٢/ ٧٥، وابن عباس، أنظر: تفسير الطبري (٩٤٣): ص ٢/ ٧٦ - ٧٧، ووري عن قتادة نحوه، انظر: تفسير الطبري (٩٤٣): ص ٢/ ٧٦. (٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٧): ص ١/ ١١٠. (٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٨): ص ١/ ١١٠. (١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٩): ص ١/ ١١٠. (١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٢٩): ص ١/ ١١٠، والطبري (٩٤٢): ص ٢/ ٧٦. (١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٠): ص ١/ ١١٠. (١٣) تفسير الطبري (٩٣٤): ٢/ ٧٣، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: ١/ ١٦٢. (١٤) فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة، ومن ذلك: - قوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت. - وقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً. - وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) أي: ظنوا بإخوانهِم خيراً. - وقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم. (١٥) تفسير الطبري (٩٣٤): ٢/ ٧٣، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: ١/ ١٦٢. (١٦) أخرجه الطبري (٩٤٢): ص ٢/ ٧٦. وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٢. وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. (سنن النسائي الكبرى برقم: ١١٣٢٦). (١٧) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦١، يقول الآلوسي: "وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل- بقتل أنفسهم- وقال: لا يجوز ذلك عقلا- إذ الأمر لمصلحة المكلف- وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقا- بأمره نستبقيها، وبأمره نفنيها- وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية. وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا- كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه، ووال في بلد يسوسه- وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه- وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما".