و (الفرقان) لغة: مصدر فرَقت بين الشيئين: أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}[الأنفال: ٤١]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان، وقوله تعالى:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[الأنفال: ٢٩]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون" (١).
واختلف في تفسير {الْفُرْقَانَ}[البقرة: ٥٣]، هنا، على أربعة أوجه:
أحدها: أن {الفُرْقَانَ}: ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ، فيكون ذلك نعتاً للتوراة. قاله أبو العالية (٢)، ومجاهد (٣)، والربيع بن أنس (٤)، واختاره الفراء (٥)، وارتضاه الزجاج (٦)، وهو قول جمهور أهل التفسير (٧).
واحتجوا من وجهين:
الأول: أن العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، ومنه قول عدي بن زيد (٨):
والثاني: أن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع، وهو قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ}[الأنبياء: ٤٨]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين (١٠)، والعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض}[الأنعام: ١]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)} [الأعلى: ١ - ٤]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا:{الكتاب والفرقان}: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ {الكتاب} نفس التوراة؛ و {الفرقان} صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف (١١).
(١) التفسير البسيط: ٢/ ٥٢٥، وانظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤٦١، تهذيب اللغة" (فرق): ٣/ ٢٧٧٩، والصحاح: (فرق) ٤/ ١٥٤٠، واللسان: (فرق) ٦/ ٣٣٩٩. (٢) أنظر: تفسير الطبر (٩٢٨): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢١): ص ١/ ١٠٩. (٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٩)، و (٩٣٠)، و (٩٣١): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩. (٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩. (٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٧٣ أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر "معاني القرآن" ١/ ٣٧. (٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥. (٧) رجحه الطبري: ٢/ ٧٠، ٧١، والنحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٢٢٥، "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٣ أ، وتفسير ابن عطية" ١/ ٢١٦، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٧٣، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٨١، وتفسير ابن كثير" ١/ ٩٧، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٣٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥. (٨) في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣٧، "الشعر والشعراء" ص ١٣٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٧٥، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٩ أ، ٧٣ أ، "أمالي المرتضى" ٢/ ٢٥٨، "المستقصى" ١/ ٢٤٣، "مغني اللبيب" ٢/ ٣٥٧، "الهمع" ٥/ ٢٢٦، "معاهد التنصيص" ١/ ٣١٠، "اللسان" (مين) ٧/ ٤٣١١، والقرطبي في "تفسيره" ١/ ٣٩٩، "الدر المصون" ١/ ٣٥٨. والبيت ضمن قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب. ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت. (٩) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (شرع) ٢/ ١٨٥٧، "اللسان" (شرع) ٤/ ٢٢٣٨، "تفسير الثعلبي" ١/ ٧٣ أ، "تفسير القرطبي" ١/ ٣٤١، "الدر المصون" ١/ ٣٥٨، "فتح القدير" ١/ ١٣٥، و"ديوان عنترة" ص ١٨٩. و(الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله. (١٠) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٥، والتفسير البسيط: ٢/ ٥٢٦. (١١) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٨٣.