للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

روي " عن قتادة في قوله: {الكتاب}، قال التوراة" (١). وهو قول جمهور المفسرين (٢).

وقال مجاهد: " {الكتاب}: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل" (٣). وروي عن أبي العالية (٤)، والربيع بن أنس (٥)، نحو ذلك.

واختلف في (الواو) في قوله تعالى: {الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: ٥٣]، على وجهين (٦):

أحدهما: أن (الواو) فيه زائدة. وهذا مذهب الكسائي (٧)، إذ يرى: أن الفرقان نعت للكتاب، والمعنى: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي: الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت (الواو)، كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي، وأنشد (٨):

إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم

وضعّف هذا القول أبو حيان (٩) وابن كثير (١٠).

والثاني: أن (الواو) حرف عطف، فعطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول عدي العبادي (١١):

وقدمت الأديم لراقشيه ... فألفى قولها كذبًا ومينا

وقال الحطيئة (١٢):

ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد

فالكذب هو المين، والنأي: هو البعد، وقال عنترة (١٣):

حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

قال الزجاج: " والقول الأول هو القول، لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا الموضع - قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: ٤٨] " (١٤).

وَ {الْفُرْقَانَ}: الفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: ٤٣] (١٥).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٠): ص ١/ ١٠٩.
(٢) أنظر: روح المعاني: ١/ ٢٦٠.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٢٩)، و (٩٣٠)، و (٩٣١): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.
(٤) أنظر: تفسير الطبر (٩٢٨): ص ٢/ ٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٢١): ص ١/ ١٠٩.
(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٩.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.
(٧) ذكره الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٦، وانظر: تفسير البغوي: ١/ ٧٣، والكشاف: ١/ ٢٨١، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، "معاني القرآن: ١/ ٣٧.
(٨) البيت بلا نسبة في"معاني القرآن للفراء: ١/ ١٠٥، والإنصاف: ٣٧٦، والخزانة: ١/ ٢١٦. والقَرْم: السيد المعظم.
(٩) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٠٢.
(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.
(١١) ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق: محمد جبار المعيبد، دار الجمهورية للنشر والطبع، بغداد، ١٩٦٥ م، ص ١٨٣، ويروى (وقدّمت الأديم)، والبيت ذكر في اللسان: (مين)، وقدت أي قطعت، والضمير فيه يعود على الزباء، وهي امرأة ورثت الملك عن أبيها - والأديم الجلد، ولراهشيه، أي: إلى أن وصل القطع للراهشين، وهما عرقان في باطن الذراع يتدفق الدم منهما عند القطع - والضمير في ألفى يعود على المقطوع راهشاه، وهو جذيمة الابرش، والمراد الاخبار بأن جذيمة غدرت به الزباء، وقطعت راهشيه، وسأل منه الدم حتى مات، وأنه وجد ما وعدته من تزوجه بها كذبا ومينا - وهما بمعنى واحد، واحدى الكلمتين زائدة فلا يتغير المعنى باسقاط أيهما شئت وكقول الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها التأى والبعد
فالنأي والبعد بمعنى واحد، ولا يتعين أحدهما للزيادة.
(١٢) ديوانه، طبعة بيروت: ٣٩. وفي اللسان والصحاح والتهذيب والمقاييس ٥/ ٣٧٨ والأساس، بدون نسبة. و (هند): هي المخصوص بالمديح، فاعل. ولم ير الشاعر في نفسه حاجةً إلى تمييز، فاطّرحه، ولو ذكره لقال مثلاً: حبذا هندٌ امرأةً. وتأنيث الفاعل لم يغيّر من [حبذا] شيئاً، لأنه يلزم صيغة الإفراد والتذكير أبداً في كل حال.
(١٣) شرح المعلقات السبع، الزوزني: ١٣٠. والإقواء والإقفار: الخلاء، جمع بينهما لضرب من التأكيد، وأم الهيثم: كنية عبلة. يقول: حييت من جملة الأطلال. أن خصصت بالتحية من بينها ثم أخبر أنه قدم عهده بأهله وقد خلا عن السكان بعد ارتحال حبيبته عنه.
(١٤) معاني القرآن: ١/ ١٣٤.
(١٥) انظر: الطبري: ٢/ ٧٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>