ويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (١).
والثالث: وقال بعضهم: {لا تَجْزِي} أي: لا تكفي (٢).
والرابع: وقيل: لا تُكافِئ (٣).
والأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئاً. والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: ٤٨]، وجوه من القراءة:
أحدها: {لَا تَجْزِي}، قرأ بها الجمهور.
والثاني: {لا تُجزئ}، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (٤)، ومن ذلك قول الشاعر (٥):
وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل
قال الزمخشري: "ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء" (٦).
والثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: "لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا" (٧).
قوله تعالى: {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: ٤٨]، "أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبداً" (٨).
أخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن: في قوله: {ولا يقبل منها شفاعة}، فقال: يوم القيامة يوم لا ينفع فيه شفاعة شافع أحدا" (٩). قال ابن أبي حاتم: "يعني من الكفار" (١٠).
قال الزمخشري: " وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا" (١١).
وقال أهل العلم: "ليس معنى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ويقول امرؤ القيس (١٢):
عَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا
أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا (١٣):
وَلا تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ ... لا يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا
أي ليس هناك (ضب) فيكون منه انجحار" (١٤).
(١) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٧، وتهذيب اللغة للأزهري: ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٤٥٦، والصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٠٢، ولسان العرب لابن منظور: ١/ ٦٢٠، وتاج العروس للزبيدي: ١٩/ ٢٨٤، والمفردات للراغب: ٩٣.
(٢) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.
(٣) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٠٨، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٠، وغريب القرآن لابن الملقن: ٥٣، وغيرها.
(٤) أنظر: تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٠.
(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٠، والسمين الحلبي في الدر المصون: ١/ ٣٣٧.
(٦) الكشاف: ١/ ١٣٥.
(٧) الكشاف: ١/ ١٣٥.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٤٨.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٠): ص ١/ ١٠٥.
(١٠) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٥.
(١١) الكشاف: ١/ ١٣٦.
(١٢) يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (لحف) ٢/ ١٥٩٨، (ساف) ٢/ ١١٣٢، (داف) "الحجة" ٢/ ٤٧، "شرح أشعار الهذليين" ١/ ٣٦، "الخصائص" ٣/ ١٦٥، ٣٢١، "مقاييس اللغة" ٢/ ٣١٨، "اللسان" (ديف) ٣/ ١٤٦٦، (سوف) ٤/ ٢١٥٣، "الخزانة" ١٠/ ٢٥٨، "ديوان امرئ القيس" ص ٦٤.
(١٣) ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" ١/ ٣٦، "الخصائص" ٣/ ١٤٦، ٣٢١، "الحجة" لأبي علي ٢/ ٤٧، يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار.
(١٤) التفسير البسيط: ٢/ ٤٧٨.