وهو كثير عند العرب، وقد وردت من أشعار العرب أمثلة كثيرة على هذا النحو، فمن ذلك قول دريد بن الصمة (١):
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد
يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم.
وقول عميرة بن طارق (٢):
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبا مرجما
يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما.
قال الزجاج: " الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين، كانوا ضُلالاً كافرين، والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة" (٣). ثم استشهد ببيت دريد السابق.
والثاني: وحكى المهدوي وغيره: أن {الظن} في هذه الآية، يصح أن يكون على بابه، والمعنى: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم (٤).
قال ابن عطية: " وهذا تعسف، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه" (٥).
وقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين: "إن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه" (٦).
قال الزجاج: "وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا" (٧).
قال ابن عطية: " وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد" (٨).
وقال بعض المفسرين: في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: "إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين:
أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.
(١) الأصمعيات: ٢٣، وشرح الحماسة ٢: ١٥٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٤٠، وسيأتي غير منسوب في ٢٥: ٨٣، وغير منسوب في ١٣: ٥٨ برواية أخرى: " فظنوا بألفي فارس متلبب ". وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وهو عارض، المذكور في شعره. المدجج: الفارس الذي قد تدجج في شكته، أي دخل في سلاحه، كأنه تغطى به. والسراة جمع سري: وهم خيار القوم من فرسانهم. والفارسي المسرد: يعني الدروع الفارسية، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
إذا مشينا في الفارسي كما ... يمشى جمال مَصاعبٌ قُطُفُ
السرد: إدخال حلق الدرع بعضها في بعض. والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق. ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.
(٢) نقائض جرير والفرزدق: ٥٣، ٧٨٥، والأضداد لابن الأنباري. ١٢ وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي، قالها في خبر له مع الحوفزان، ورواية النقائض: " وأجلس فيكم. . . "، و " أجعل علمي ظن غيب مرجما ". وقبل البيت:
فلا تأمرني يا ابن أسماء بالتي ... تجر الفتى ذا الطعم أن يتكلما
ذو الطعم " ذو الحرم. وتجر، من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل، إذا أرادوا فطامه، لئلا يرضع. يعني يحول بينه وبين الكلام.
وغزا الأمر واغتزاه: قصده، ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه، والمرجم: الذي لا يوقف على حقيقة أمره، لأنه يقذف به على غير يقين، من الرجم: وهو القذف. هذا، والبيت، كما رواه في النقائض، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين. ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى.
(٣) معاني القرآن: ١/ ١٢٦.
(٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(٥) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(٦) معاني القرآن: ١/ ١٢٦. قال الزجاج: " وهذا سمعته من إِسماعيل بن إِسحاق القاضي رحمه اللَّه رواه عن زيد بن أسلم".
(٧) معاني القرآن: ١/ ١٢٦.
(٨) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.