للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو العالية: " الظن ها هنا يقين" (١). وروي عن مجاهد (٢)، والسدي (٣)، والربيع بن أنس (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦)، وابن زيد (٧)، مثل ذلك (٨).

وأخرج ابن أبي حاتم "عن سعيد في قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}، قال الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت" (٩).

قال الثعلبي: {يَظُنُّونَ} أي: " يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: ٢٠] أي أيقنت به" (١٠).

قال البغوي: أي: " يستيقنون أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون" (١١).

قال الزمخشري: " أى: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه" (١٢).

قال الراغب: " وتخصيص ذكر (الظن) ها هنا، إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، لم يصح على الوجه الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: " أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ}، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهاً أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغاً ملتزماً للحق ممن ظهر منه" (١٣).

وفي مصحف عبد اللَّه: " {يعلمون}، ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، ولذلك فسر «يظنون» بـ (يتيقنون) " (١٤)، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة.

قال الآلوسي: " والمراد من (ملاقاة الرب) سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب- لكن من أين يعلم ما يختم به عمله- ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] " (١٥).

وقال النسفي: " وفسر (اللقاء): بالرؤية، و {ملاقو ربهم}، بمعاينوه بلا كيف" (١٦).

وذكروا في معنى (ظن) في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: ٤٦]، قولان:

أحدهما: أن الظن هنا بمعنى اليقين، : فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم. وهذا قول الجمهور، حكاه ابن عطية (١٧).

ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: ١٢]، وقوله: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: ٢٠] (١٨).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٣): ص ١/ ١٠٣، والطبري (٨٦١): ص ١/ ١٩.
(٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٢): ص ١/ ١٩.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٤): ص ١/ ١٩.
(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.
(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٥): ص ١/ ١٩.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (٨٦٦): ص ١/ ١٩.
(٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٠٣.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٤): ص ١/ ١٠٤.
(١٠) تفسير الثعلبي: ١/! ٨٩.
(١١) تفسير البغوي: ١/ ٩٠.
(١٢) الكشاف: ١/ ١٣٤.
(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٩.
(١٤) الكشاف: ١/ ١٣٤.
(١٥) روح المعاني: ١/ ٢٥١.
(١٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٣.
(١٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(١٨) ومنه قوله تعالى: - {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} [القيامة: ٢٨].
- {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: ٥٣].
- {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: ١١٨].
- {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: ٢٢].
في الآيات السابقة جاء الفعل (ظن) بمعنى الأعتقاد الجازم، وهو الأكثر استعمالا في الأسلوب القرآني وكلام العرب.

<<  <  ج: ص:  >  >>