للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال المفسرون وأصحاب المعاني: "إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: ٦٨]، وقوله {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: ٩٨] " (١).

واختلف أهل التفسير في معنى (الصبر) في هذه الآية على قولين (٢):

أحدهما: أن الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو المعنى المشهور للصبر، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر" (٣)، أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي (٤)، قال عنترة (٥):

فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ

والثاني: أن المراد به هنا: الصوم. قاله مجاهد (٦)، والصوم بعض معاني الصبر، ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث (٧).

والأول هو الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم (٨).

و(الصبر): "حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (٩)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (١٠):

قُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِداً: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ

والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (١١):

فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ

يقول: حَبَست نفساً صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (١٢).


(١) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٦.
(٢) انظر تفسير الطبري: ٢/ ١١.
(٣) الحديث ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. "غريب الحديث" ١/ ١٥٥، وذكره الثعلبي ١/ ٦٩ أ، والأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد ٢/ ١٩٧٢، وهو في "الفائق" ٢/ ٢٧٦، "النهاية في غريب الحديث" ٣/ ٨، "غريب الحديث" لابن الجوزي ١/ ٥٧٨، وذكره في "كنز العمال" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، ١٥/ ١٠.
(٤) انظر التفسير البسيط: ٢/ ٤٥١.
(٥) البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد ١/ ١٥٥، "تهذيب اللغة" (صبر) ٢/ ١٩٧٢، "مقاييس اللغة" (صبر) ٣/ ٣٢٩، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٦٩ أ، "اللسان" (صبر) ٤/ ٢٣٩١، و (عرف) ٥/ ٢٨٩٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٣١٧، "فتح القدير" ١/ ١٢٤، "ديوان عنترة" ص ٢٦٤. يقول: : صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٠): ص ١/ ١٠٢. ونقله ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٥١.
(٧) ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ" (مسند أحمد (٧٥٦٧، ٨٩٦٥)، ومسلم (١١٦٢) واللفظ للإمام أحمد.)، وأخرج الإمام أحمد عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ". (مسند الإمام أحمد (٢٢٩٦٥)، وروى النسائي عن الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صمْ شهرَ الصبرِ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهر". (سنن النسائي (٢٧٥٦)، انظر صحيح الجامع (٣٧٩٤).
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١١. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥١.
(٩) انظر تفسير الطبري: ٢/ ١١.
(١٠) يوانه بشرح أبي سعيد السكري: ١٧٦. وهو في اللسان (صبر)، والجامع: ١٤٤. وفيه (ويلك) بدل (ويحك)، والإقناع: ٥٤ وفيه (به) بدل (بها)، والعروض لابن جني: ٨٠
(١١) ديوانه: ٨٩ من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به:
إنَّ الذينَ نعيْتَ لي بفِراقهمْ ... قد أسْهرُوا لَيْلي التّمامَ فأَوْجعوا
وَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي ... لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ
فصبرتُ عارفة ً لذلكَ حرَّة ً ... ترسو إذا نفسُ الجبانِ تطلع
وقوله (نفس عارفة)، أي: حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و (ترسو)، تثبت. و (تطلع)، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.
(١٢) انظر: اللسان: مادة (ص ب ر).

<<  <  ج: ص:  >  >>