للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الراغب، الصبر ضربان: "صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة " (١).

وفي الآية قدّم الصبر على الصلاة "لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة" (٢).

و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة" (٣).

وفي الصبر المأمور به، قولان (٤):

أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته ومرضاته، والكف عن معصيته. قاله أبو العالية (٥).

والثاني: أنه الصوم، وهو قول مجاهد، وقد كان النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام (٦).

قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: ٤٥]، "أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه" (٧).

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، في تفسير قوله تعالى {لكبيرة}، قال: "لثقيلة" (٨).

وروي عن مجاهد في قوله: {وإنها لكبيرة}، قال: الصلاة" (٩).

واختلف في عود الضمير {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: ٤٥]، على أقوال (١٠):

أحدها: أنه يعود على {الصلاة}؛ وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد (١١) والجمهور، واختاره الطبري، وأبو حيان وابن كثير والعكبري والقاسمي وغيرهم (١٢).

واحتجوا بوجهين:

الوجه الأول: لأن (الصلاة) أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع.

والوجه الثاني: وقالوا: خصصت الصلاة بذلك لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر.

قال الثعلبي: "لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: ٦٢]، ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله، وقال الشاعر وهو حسّان (١٣):

إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان جنونا

ولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه" (١٤).

القول الثاني: أنه يعود على الصبر والصلاة، فأرادهما.


(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٧.
(٢) تفسير الآلوسي: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.
(٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١١٥.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (٨٥٣): ص ١/ ١٤.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٨٤٩): ص ١/ ١٢. أخرج عن حذيفة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ".
(٧) تفسير المراغي: ١/ ١٠٢.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٧): ص ١/ ١٠٣.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٦): ص ١/ ١٠٣.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٩٧.
(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٨٦): ص ١/ ١٠٣.
(١٢) انظر: جامع البيان للطبري: ٢/ ١٥، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١١٥، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٧٦، والوسيط للواحدي: ١/ ١٣١، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٨٥، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١١٣، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٣٤، ومحاسن التأويل للقاسمي: ٢/ ٢١٩، وروح المعاني للألوسي: ١/ ٢٤٩.
(١٣) البيت في: الصحاح: ١/ ٤٢٤، وتفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.
(١٤) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>