للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا استدلال ظاهر الفساد فإن الفعل «جعل» إذا كان بمعنى «خلق» فإنه يتعدى إلى مفعول واحد كقوله - سبحانه: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: ١] وإذا كان يتعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} [النحل: ٩١].

قال الشنقيطي: "لفظة «جعل» تأتي في اللغة العربية لأربعة معان؛ ثلاثة منها في القرآن:

الأول: - إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: ١٩] أي: اعتقدوهم إناثاً، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر.

الثاني: - جعل بمعنى صير، كقوله: {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء: ١٥] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضا.

الثالث: - جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: ١] أي: خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور.

الرابع: - وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع، ومنه قوله (١):

وَقَدْ جَعَلْتُ إذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الْشَّارِبِ الثملِ " (٢)

القرآن


(١) البيت لعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه ص ١٨١ - ١٨٢؛ وخزانة الأدب ٩/ ٣٥٩، ٣٦٢؛ ولأبي حية النمري في ملحق ديوانه ص ١٨٦؛ والحيوان ٦/ ٤٨٣؛ وشرح التصريح ١/ ٢٠٤؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ٧٤؛ والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٣؛ ولابن أحمر أو لأبي حية النمري في الدرر ٢/ ١٣٣؛ ولأبي حية أو للحكم بن عبدل في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١١؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٥؛ وشرح التصريح ١/ ٢٠٦؛ ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٩؛ والمقرب ١/ ١٠١.
المعنى: يثقلني: يجهدني ويتعبني. أنهض: أقوم. الثمل: السكران.
(٢) أضواء البيان: ٦/ ٣٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>