وهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله - في تفسيره قوله تعالى:{مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون}؛ إذ قال:"فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} "(١).
يا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك، وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك، وقد بلَّغ صلى الله عليه وسلم رسالة ربه كاملة، فمن زعم أنه كتم شيئًا مما أنزِل عليه، فقد أعظم على الله ورسوله الفرية. والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك، فليس عليك إلا البلاغ. إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني"؛ فأنزل الله -تعالى-: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}" (٢). [ضعيف جداً].
والثاني: وقال مجاهد: لما نزلت {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}؛ قال: "يا رب إنما أنا واحد، كيف أصنع ليجتمع عليّ من الناس؟ "؛ فنزلت:{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} "(٣). [ضعيف]
وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحرض بهذه الآية" (٤). [ضعيف]
والثالث: قال ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس، فكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت هذه الآية:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} إلى قوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه؛ فقال: "يا عم! إن الله -عزّ وجلّ- قد عصمني من الجن والإنس" (٥). [ضعيف جداً]
(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٩. (٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١١٦، ١١٧) ونسبه لأبي الشيخ. مراسيل الحسن واهية كما هو مقرر في كتب المصطلح. وانظر: تفسير الشوكاني: ٨٢٥. (٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" (١٢٢٧٢): ص ١٠/ ٤٦٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦٦١٣): ص ٤/ ١١٧٣، من طريق سفيان الثوري عن رجل عن مجاهد. قلنا: وسنده ضعيف؛ لإرساله، وجهالة الرجل الذي لم يسم. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ١١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبي الشيخ. (٤). (٥) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٢٠٥ رقم ١١٦٦٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٣٥)، و"الوسيط" (٢/ ٢٠٩)، وابن مردويه في "تفسيره"؛ كما في "تفسير القرآن العظيم" (٢/ ٨١) من طريق الحماني عن النضر أبي عمر عن عكرمة عنه به. قلنا: وسنده ضعيف جداً؛ فيه علتان: الأولى: النضر هذا؛ متروك الحديث؛ كما في "التقريب" (٢/ ٣٠٢). الثانية: الحماني؛ ضعيف. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٧): "وفيه النضر بن عبد الرحمن، وهو ضعيف". والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١١٨) وزاد نسبته لأبي الشيخ وأبي نعيم في "الدلائل" -ولم نجده فيه بعد طول بحث- وابن عساكر.