أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (١).
وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:
أولا: الأشاعرة:
فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا، كما قال أحدهم – وهو الآمدي -: " فعلى هذا مهما كان مصدقاً بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقّاً، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقاً بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات " (٢).
وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمناً بإطلاق (٣).
وبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.
وقد عاب إبراهيم النخعي – رحمه الله – تلك المقولة، فقال: " ما أعلم قوماً أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق" (٤).
وعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.
ثانيا: المعتزلة:
وأما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (٥).
يقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: " صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن " (٦).
ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار.
وكما قال عبد الجبار المعتزلي: " والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبداً ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد " (٧).
ثالثا: الزيدية:
وقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (٨).
القرآن
{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)} [المائدة: ٦٠]
التفسير:
(١) انظر: شرح الأصفهانية: مخلوف ص (١٤٤).
(٢) غاية المرام في علم الكلام ص (٣١٢).
(٣) انظر: المواقف في علمِ الكلام ص (٣٨٩).
(٤) السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد حنبل (١/ ٣٤١).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٣).
(٦) شرح الأصول الخمسة ص (٦٩٧).
(٧) شرح الأصول الخمسة ص (٦٦٦).
(٨) انظر: مثلاً العقد الثمين في معرفة رب العالمين للحسين بن بدر الدين ص (٥٧) ومصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم للرصاص، ص (٢٠).