قال السمرقندي: " يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم" (١).
قال السعدي: أي: " ومع هذا فأكثركم خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم" (٢).
قال البغوي: " لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال" (٣).
قال الماتريدي: " أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا؟ ! " (٤).
قال الزجاج: " المعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فسقتم، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة، وكسبكم بها الأموال" (٥).
قال ابن عطية: " وهذه الآية من المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: ٨]، ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة (٦):
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب" (٧)
أي: ليس فيهم عيب (٨).
وفي عطف قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: ٥٩]، وجوه (٩):
أحدها: أن يعطف على: {أن آمنا}، بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه.
والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: واعتقاد أنكم فاسقون.
والثالث: أن يعطف على المجرور، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون.
والرابع: ويجوز أن تكون «الواو» بمعنى «مع»، أى: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون.
والخامس: ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان، لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات.
قال الزمخشري: "ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا" (١٠).
قال ابن عطية: " وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم معنى الألفاظ ... وقوله تعالى: {وأن أكثركم فاسقون}، هو عند أكثر المتأولين معطوف على قوله: أن آمنا فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه" (١١).
(١) بحر العلوم: ١/ ٤٠٢.
(٢) تفسير السعدي: ٢٣٧.
(٣) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.
(٤) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٤٨.
(٥) معاني القرآن: ٢/ ١٨٦.
(٦).ديوانه: ١١، وكتاب البديع: ١١١، والعمدة: ٢/ ٤٥، والصناعتين: ٤٠٨، وإعجاز القرآن: ١٦١.
(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.
(٨) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة: ١٦٥.
(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٥٠ - ٦٥١.
(١٠).الكشاف: ١/ ٦٥١
(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٠.