للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الرازي: " أي: لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام" (١).

قال ابن كثير: " {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} مَعَانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حُصَاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام" (٢)." (٣).

قال المراغي: " أي ذلك الفعل الذي يفعلونه وهو الهزؤ والسخرية إنما كان لجهلهم بحقيقة الأديان وما أوجب الله فيها من تعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، ولو كان عندهم عقل لخشعت قلوبهم كلما سمعوا المؤذن يكبر الله تعالى ويمجده بصوته الندى ويدعو إلى الصلاة له والفلاح بمناجاته وذكره، فهو ذكر مؤثر فى النفوس لا تخفى محاسنه على من يعقل الحكمة فى إرسال الشرائع ويؤمن بالله العلى الكبير" (٤).

قال الماتريدي: " نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: ١٠]، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: ١٧١] الآية: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأسا " (٥).

الفوائد:

١ - تحريم موالاة من اتخذ ديننا هزوا.

٢ - الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل، قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة: ٥٨].

فهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم.

وهذه صفات أتباع الشيطان الذي "إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين .. " (٦).

٣ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}.

والمراد هنا: عقل رشد- وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل.

القرآن


(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٨٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٢١٧)، والدارقطني ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥، والبيهقي ٢/ ٣٤٠ من طريق ابن إسحاق.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.
(٤) تفسير المراغي: ٦/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٥) تفسير الماتريدي: ٣/ ٥٤٧.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>