قال ابن عطية: " المعنى: أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الأيمان إنهم لمعكم ثم قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم" (١).
قال المراغي: " أي: ويقول بعض المؤمنين لبعض متعجبين من حال المنافقين، إذا أقسموا بأغلظ الأيمان لهم إنهم معكم وإنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود، فلما حل بهم ما حل أظهروا ما كانوا يسرونه من موالاتهم وممالأتهم على المؤمنين كما قال فى سورة براءة «ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون» أي فهم لفرقهم وخوفهم يظهرون الإسلام تقية" (٢).
وفي معنى قوله تعالى: {أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} [المائدة: ٥٣]، وجهان:
أحدهما: أن جهد أيمانهم: القسم بالله. قاله مقاتل (٣).
والثاني: المراد: أنهم حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون وأنهم معكم أعوانكم على من خالفكم. قاله الزجاج (٤).
قال القرطبي: أي: "حلفوا واجتهدوا في الأيمان" (٥).
قال الراغب: " قوله: {جهد أيمانهم}، أي: أبلغ الإيمان وأقصاها من قولهم جهد في الأمر" (٦).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟
قلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص أهؤلاء الذين أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.
وإما أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى الله عنهم: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} [الحشر: ١١] " (٧).
قال الرازي: " الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عند ما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟ " (٨).
وقد ذهب كثير من المفسرين: إلى "أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون: {أهؤلاء الذين أقسموا} [المائدة: ٥٣] الآية.
وتحتمل الآية: أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض: {نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: ٥٢]، وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبي رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطنا يحسن أن يقول فيه المؤمنون: {أهؤلاء الذين أقسموا} الآية" (٩).
(١) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٧.
(٢) افسير المراغي: ٦/ ١٣٨.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٥.
(٤) مهعاني القرآن: ٢/ ١٨١.
(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.
(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٧٨.
(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٣.
(٨) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٣٧٧.
(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٦.