استحب الكفر على الإيمان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها" (١).
عن أبي العالية قوله: " {الظالمين}، يعني: من أبا أن يقول لا إله إلا الله" (٢). وروي عن عكرمة وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٣).
الفوائد:
١ - نفي الولاية بين أهل الحق وأهل الباطل.
٢ - حرمة موالاة اليهود والنصارى وسائر الكافرين، هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، ، وقد خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه.
٣ - الولاء والبراء أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ يجب على كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب أن يكون براؤه من أعداء الملة والدين.
وكما حرم الله موالاة أعداء الملة والدين، فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: ١٠].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا}، وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير" (٤).
القرآن
{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)} [المائدة: ٥٢]
التفسير:
يخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح «مكة» - وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم.
سبب النزول:
قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت
(١) فتح القدير: ٢/ ٣٩٥.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١٥): ص ٤/ ١١٥٧.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٤/ ١١٥٧.
(٤) الولاء والبراء في الإسلام: البركاتي: ١٦.