قال الزمخشري: " علل النهى بقوله: {بعضهم أولياء بعض}، أى إنما يوالى بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم" (١).
قال الجزائري: " تعليل لتحريم موالاتهم، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذاً موالاتهم، وكيف يصدقون أيضاً فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ " (٢).
قال السعدي: أي: " فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم" (٣).
قال الشوكاني: " تعليل للنهي، والمعنى: أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق، وقيل: المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين" (٤).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: ٥١]، أي: " ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم" (٥).
قال الزمخشري: أي: "من جملتهم وحكمه حكمهم" (٦).
قال الشوكاني: " أي: فإنه من جملتهم وفي عدادهم، وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية" (٧).
قال السعدي: " التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم" (٨).
وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: ٥١]، "تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تراءى ناراهما» (٩).
ومنه قول عمر رضى الله عنه لأبى موسى في كاتبه النصراني: "لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله" (١٠).
(١) الكشاف: ١/ ٦٤٢.
(٢) أيسر النفاسير: ١/ ٦٤٢.
(٣) تفسير السعدي: ٢٣٥.
(٤) فتح القدير: ٢/ ٥٧.
(٥) التفسير الميسر: ١١٧.
(٦) الكشاف: ١/ ٦٤٢.
(٧) فتح القدير: ٢/ ٥٨.
(٨) تفسير السعدي: ٢٣٥.
(٩) أخرجه أبو داود في: الجهاد، ٩٥ - باب على ما يقاتل المشركون، حديث ٢٦٤٥ ونصه: عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل.
قال، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل. وقال «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال «لا تراءى ناراهما».
قال في النهاية ٢/ ٥٤: "يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. والترائي: تفاعل من الرؤية وإسناد الترائي إلى النار مجاز".
(١٠) السنن الكبرى (٢٠٤٠٩): ص ١٠/ ٢١٦. ونصه: عن سماك بن حرب، قال: "سمعت عياضا الأشعري، أن أبا موسى، رضي الله عنه وفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما , ومعه كاتب نصراني , فأعجب عمر رضي الله عنه ما رأى من حفظه , فقال: " قل لكاتبك يقرأ لنا كتابا " , قال: إنه نصراني , لا يدخل المسجد , فانتهره عمر رضي الله عنه , وهم به , وقال: " لا تكرموهم إذ أهانهم الله , ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله , ولا تأتمنوهم إذ خونهم الله عز وجل".
وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: ٢٦٣٠.