أتبرأ من حلفهم وأخاف الدوائر، وهذا قول ابن عباس (١)، والزهري (٢)، وعطية العوفي (٣)، وعبادة بن الوليد (٤).
وقال عبادة بن الصامت" فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبرأت إليه من حلف يهود، وظاهرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين عليهم "(٥).
والثاني: أنها نزلت فى أبي بلابة بن عبد المنذر حين بَعَثَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بني قريظة لما نقضوا العهد أطاعوا بالنزول على حكم سعد أشار إلى حلقه إليهم أنه الذبح، وهذا قول عكرمة (٦).
والثالث: أنها نزلت فى رجلين من الأنصار خافا من وقعة أحد فقال أحدهما لصاحبه: أَلْحَقُ باليهود وأتهود معهم، وقال الآخر: ألحق بالنصارى فأتنصر معهم ليكون ذلك لهما أماناً من إدالة الكفار على المسلمين، وهذا قول السدي (٧)، ومقاتل (٨).
قال الإمام الطبري:" والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم ولم يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله:{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}، الآية" (٩).
قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}[المائدة: ٥١]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(١٠).
(١) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٩٨) ونسبه لابن مردويه. (٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٧): ص ١٠/ ٣٩٦. (٣) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٨ - ١٩٩. [ضعيف، فيه علتان: الأولى: الإرسال. والثانية: عطية هذا؛ ضعيف مدلس، ولخصه ابن حجر في "التقريب" (٢/ ٢٤) بقوله: "صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً". (٤) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٨): ص ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧. [ضعيف لإرساله] وأخرجه ابن إسحاق في "المغازي" (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩ - ابن هشام)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ١٧٤، ١٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٥٥/ ٦٥٠٦)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٩٨) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه وابن عساكر. (٥) أخرجه ابن مردويه في "تفسيره"؛ كما في "الدر المنثور" (٣/ ٩٩) من طريق عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده عبادة به. قلنا: إن كان السند إلى عبادة صحيح؛ فالحديث صحيح غاية -إن شاء الله-. (٦) انظر: تفسير الطبري (١٢١٦٠): ص ١٠/ ٣٩٨. (٧) انظر: تفسير الطبري (١٢١٥٩): ص ١٠/ ٣٩٧ - ٣٩٨. [ضعيف جدا] (٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤. [متروك] (٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩. (١٠) التفسير الميسر: ١٠٦.