قال أبو السعود: أي: " في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلال أو اشتراكا فيجازي كلا من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه" (١).
قال السعدي: أي: وانتم "من جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم" (٢).
قال الحسن البصري: " ابن آدم! لا يغرنك أن تقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، وإن اليهود والنصارى ليحبون أنبياءهم، ولا والله؛ ما يحشرون معهم، ولا يدخلون في زمرتهم، وإنهم لحطب جهنم هم لها واردون " (٣).
الفوائد:
١ - بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي.
٢ - نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد.
٣ - تحريف اليهود والنصارى لمفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة-والعياذ بالله-
٤ - يستفاد من الآية: أن المحبة نوعان:
أحدهما: المحبة الشكرية: وهي كل محبة تغر في الدين وتبعث على الاكتفاء بها دون الجد في الصالحات وتحري المشروع منها، ولا تثمر ربط القلوب وصلتها بعضها ببعض إذا اتحدت على الشهادتين، ولا توجب النفور من كل من يحاول هدم تعاليم الإِسلام، ولا تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعود صاحبها على استعذاب العذاب في خدمة المبدإ الحق المجمل في الشهادتين، وهذه المحبة الشركية هي التي ردها الله على مشركي قريش وضلال اليهود والنصارى بآية آل عمران المتقدمة، وبقوله في المائدة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: ١٨].
والثاني: المحبة الشرعية: وهي المبنية على الإيمان والعمل الصالح، وأنها النجاة من العذاب، وأفاد حديث " الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه؛ أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤).
وقد نقل في " كشف الخفاء " عن بعض العلماء بعدما أورد حديث «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ورواياته أنه: " مشروط بشرط، وعنى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم " (٥).
وفي هذا المعنى قال عبدالله بن المبارك (٦):
تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه ... هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ
لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه ... إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ
قال السمرقندي: " والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حبا له" (٧).
وحكى عن البيهقي، "أن رجلًا من أهل بغداد سأل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقاً في حب مولاه؛ فقال: إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه وصاح وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟ ! فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه" (٨).
(١) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢١.
(٢) تفسير السعدي: ٢٢٧.
(٣) نقله ابن الجوزي في " رسالته ": ٣٢.
(٤) رواه البخاري (١٠/ ٥٥٧/ ٦١٦٨ و ٦١٦٩ و ٦١٧٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٤/ ٢٦٤٠ و ٢٦٤١).
(٥) كشف الخفاء: ٢/ ٢٠٣.
(٦) تهذيب الكمال: ٦/ ٣٦٠، وتاريخ دمشق: ٣٢/ ٤٦٩.
(٧) بحر العلوم: ١/ ١١١.
(٨) كشف الخفاء: ٢/ ٢٠٣.