للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال عبدالقاهر الجرجاني: " وإنما خصّ [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، لاستيعاب غاية جهات فوق وغاية جهات تحت {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الحيوان والنبات وغيرهما" (١).

قال السمعاني: " فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا" (٢).

وقد ذكر {السموات} بلفظ الجمع، ولم يقل: "وما بينهن"، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي (٣):

طَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي، أَقْرِيهِمَا ... قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالقِسِيِّ وَحُولا

فقال: "طرقا"، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: "فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام (٤).

قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [المائدة: ١٧]، أي: " يخلق ما يشاء ويوجده" (٥).

قال مقاتل: " من خلق عيسى من غير بشر وغيره من الخلق" (٦).

قال الزمخشري: أي: " أى يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم. أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك. فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده" (٧).

قال الطبري: أي: " وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟ " (٨).

قال ابن عطية: " قوله تعالى: {يخلق ما يشاء} ـ إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعا كآدم عليه السلام" (٩).

قال السمرقندي: " ثم قال: {يخلق ما يشاء}، لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب" (١٠).

قال عبدالقاهر الجرجاني: قوله: : {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} " يدل على أنه يخلق اختيارًا واقتدارًا من غير احتياج واضطرار" (١١).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: ١٧]، أي: " وَاللَّه عَلَى كُلّ شيْء قَدِيرٌ فلا يعجزه شيء" (١٢).


(١) درج الدرر: ٢/ ٦٦٠.
(٢) تفسير السمعاني: ٢/ ٢٤.
(٣) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: ١٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٨، ١٦٠، يقول لابنته خليدة: لَمَّا رَأَتْ أَرَقِي وَطُولَ تَلَدُّدِي ... ذَاتَ الْعِشَاء وَلَيْلَيِ الْمَوْصُولا
قَالَتْ خُلَيْدَةُ: مَا عَرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْ ... أَبَدًا إِذَا عَرَتِ الشُّئُونُ سَؤُولا
أَخُلَيْدَ، إِنَّ أَبَاكِ ضَافَ وِسَادَهُ ... هَمَّان باتَا جَنْبَةً وَدَخِيلا
طَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَا هِي .... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"الهماهم": الهموم. و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل، جمع"لاقح". و"الحول"، جمع"حائل"، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم، نوقًا هذه صفاتها، كأنها قسى موترة من طول أسفارها، فأضرب بها الفيافي.
(٤) انظر: تفسيرالطبري: ١٠/ ١٤٨ - ١٤٩.
(٥) التفسير الميسر: ١١٠.
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٦٣.
(٧) الكشاف: ١/ ٦١٨.
(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٩.
(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.
(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٧٩.
(١١) درج الدرر: ٢/ ٦٦٠.
(١٢) التفسير الميسر: ١١٠، وصفوة التفاسير: ٣٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>