قال أبو حيان: " أي: هذه عادتهم وديدنهم معك، وهم على مكان أسلافهم من خيانة الرسل وقتلهم الأنبياء. فهم لا يزالون يخوفونك وينكثون عهودك، ويظاهرون عليك أعداءك، ويهمون بالقتل بك، وأن يسموك" (١).
وقال أبو عبيدة: " {عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ}، أي: على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء فى المذكّر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علّامة، وقال الكلابىّ (٢):
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ ... لِلغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ
وقد قال قوم بل {خائنة منهم}، هاهنا الخيانة، والعرب قد تضع لفظ «فاعلة» فى موضع المصدر كقولهم للخوان مائدة ... " (٣).
وقرأ الأعمش: «على خيانة منهم» (٤).
وفي الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [المائدة: ١٣]، وجوه:
أحدها: أن الاستثناء في الاشخاص، والمستثنون: عبد الله بن سلام وأصحابه. قاله: ابن عباس.
والثاني: أن الاستثنا في الأفعال أي: إلا فعلا قليلا منهم، فلا تطلع فيه على خيانة. وهذا قول ابن عطية.
والثالث: وقيل: الاستثناء من قوله: {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: ١٣]، والمراد به المؤمنون، فإن القسوة زالت عن قلوبهم، قال أبو حيان: "وهذا فيه بعد" (٥).
والظاهر في الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [المائدة: ١٣]، "أنه من الأشخاص في هذه الجملة، والمستثنون عبد الله بن سلام وأصحابه" (٦).
قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: ١٣]، أي: " فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم" (٧).
وفي نسخ قوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: ١٣]، قولان (٨):
أحدهما: أن حكمها ثابت فى الصفح والعفو إذا رآه، لأنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم فأظهره الله عليهم، ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ.
(١) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.
(٢) الكامل للمبرد ١/ ٢١١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٥٨، ةتفسير الطبري: ١٠/ ١٣٢، وإصلاح المنطق / ٢٩٥، واللسان (صبع) (غلل) (خون). وهذا من شعر له خبر. وذلك أن هذا الشاعر لما ورد اليمامة كان معه أخ له جميل، فنزل جارا لعمير بن سلمى، فقال قرين أخو عمير للكلابي: لا تردن أبياتنا بأخيك هذا، مخافة جماله، فرآه قرين بين أبياتهم بعد، وأخوه عمير غائب، فقتله. فجاء الكلابي قبر سلمى (أبي عمير، وقرين) فاستجار به وقال: وَإِذَا اسْتَجَرْتَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَاسْتَجِرْ ... زَيْدَ بن يَرْبُوعٍ وَآلَ مُجَمِّعِ
وَأَتَيْتُ سُلْمِيَّا فَعُذْتُ بِقَبْرِهِ ... وَأَخُو الزَّمَانَةِ عَائِذٌ بِالأمْنَعِ
أَقَرِينُ إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ فَوَارِسِي ... بِعَمَايَتَيْنَ إِلَى جَوَانِبِ ضَلْفَعِ
حَدَّثْتَ نَفْسَك .................. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلجأ قرين إلى وجوه بني حنيفة (وهم زيد بن يربوع، وآل مجمع)، فحملوا إلى الكلابي ديات مضاعفة، فأبى أن يقبلها. فلما قدم عمير، فقالت له أمه: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله، فأبى الكلابي أن يقبل. فأخذ عمير أخاه قرينًا فقتله، وقال: قَتَلْنَا أَخَانَا لِلْوَفَاءِ بِجَارِنَا ... وَكَانَ أَبُونَا قَدْ تُجِيرُ مَقابِرُهْ
وقالت أم عمير لعمير: تَعُدُّ مَعَاذِرًا لا عُذْرَ فِيهَا ... وَمَنْ يَقْتُلْ أَخَاهُ فَقَدْ أَلامَا
وقوله: أخو الزمانة، هي العاهة، يريد ضعفه عن درك ثأره. وعمايتان وضلفع مواضع من بلاد هذا الكلابي. وقوله مغل الإصبع، كناية عن الخيانة والسرقة. أغل يغل: خان الأمانة خلسة. ويقول بعضهم: مغل الإصبع، منصوب على النداء. [من هامش تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٢].
(٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٨.
(٤) زاد المسير: ١/ ٥٢٨.
(٥) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.
(٦) البحر المحيط: ٤/ ٢٠٦.
(٧) التفسير الميسر: ١٠٩.
(٨) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢١، وزاد المسير: ١/ ٥٢٨.