للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال البغوي: "وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح" (١).

قال مكي بن أبي طالب: " وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط" (٢).

قال الزجاج: " وقال بعضهم: في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، وهذا

القول عند أهل اللغة بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أهل اللغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالإسلام فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمعوه، وهذا ساقط عمن لا يعلم بعدهم وساقط عمن يعلم، لأنهم يقتدى بهم فهذا مما لا ينبغي أن ينسب إليهم رحمة الله عليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب، كما قال عز وجل: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: ٤٢]، وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: ١٩٥]، ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه باب المدح قد بينوا فيه صحة هذا وجودته" (٣).

قال الزبير: "قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة}؟ قال: إن الكاتب لما كتب: "لكن الراسخون في العلم منهم حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: {والمقيمين الصلاة}، فكتب ما قيلَ له" (٤).

وعن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: "والمقيمين الصلاة"، وعن قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [سورة المائدة: ٦٩]، وعن قوله: {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [سورة طه: ٦٣] (٥)، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، أخطئوا في الكتاب" (٦).

قال أبو الحسن: " وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر" (٧).

والثاني: أنه مخفوض عطفا على قوله: {بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ}، يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة (٨). وهذا اختيار الطبري (٩).

قال ابن كثير: "وفي هذا نظر" (١٠).

والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله: {منهم}، فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك (١١).


(١) تفسير البغوي: ١/ ٧٢١.
(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية: ٧/ ٤٦٦٣.
(٣) معاني القرآن: ٢/ ١٣١.
(٤) أخرجه الطبري (١٠٨٣٧): ص ٩/ ٣٩٥.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" ٢/ ٢٥٢: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} لحن وأن عثمان -رضي الله عنه- قال: إن في المصحف المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.
وقال في "تفسيره" ٥/ ٢٠٩: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط".
وقال الألوسي في "روح المعاني" ١٦/ ٢٢٤: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه "رسم المصحف" ص ١٣١ بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.
انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٠٦، "جامع البيان" ١٦/ ١٨٠، "الجامع لأحكام القرآن" ٦/ ١٤، "دقائق التفسير" ٥/ ٢٠٢، "الإتقان" ١/ ١٨٢، "مناهل العرفان" ١/ ١٨٦، "رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين" ص ١٣١.
(٦) أخرجه الطبري (١٠٨٣٨): ص ٩/ ٣٩٥.
(٧) النكت في القرآن الكريم: ٣٢٠.
(٨) انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣٠.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٧.
(١٠) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.
(١١) انظر: معاني القرآن للفراء: ٢/ ١٣١، وزاد المسير: ١/ ٤٩٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>