قال ابن كثير: " عطف على الراسخين، وخبره: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ} " (١).
قال الطبري: " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك" (٢).
قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: ١٦٢]، أي: " يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن" (٣).
قال الطبري: أي: " يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب، وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب" (٤).
قال قتادة: " استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم" (٥).
قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: ١٦٢]، أي: " يؤدُّون الصلاة في أوقاتها" (٦).
قال مقاتل: " ثم نعتهم فقال- سبحانه-: {والمقيمين الصلاة} " (٧).
قال الحسن: " فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها والزكاة فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها" (٨).
قال الزهري: "إقامتها: أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها" (٩).
واختلفوا في نصب {الْمُقِيمِينَ} [النساء: ١٦٢]، على أربعة أقوال (١٠):
أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة (١١)، ووأبان بن عثمان (١٢).
وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: "إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا" (١٣).
وقد قرأ ابن مسعود، وأبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو (١٤).
قال الأنباري: "حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده" (١٥).
(١) تففسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨.
(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٣) انظر: التفسير الميسر: ١٠٣، وصفوة التفاسير: ٢٩٢.
(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٤.
(٥) أخرجه الطبري (١٠٨٣٦): ص ٩/ ٣٩٤.
(٦) التفسير الميسر: ١٠٣.
(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٢٢.
(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٢): ص ٤/ ١١١٧.
(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٢٧٢): ص ٤/ ١١١٧.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨، وزاد المسير: ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣٨): ص ٩/ ٣٩٥.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٨٣٧): ص ٩/ ٣٩٥.
(١٣) لا يصح مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (١٥٩ - ١٦٠) ح ٢٠/ ٤٩ وابن أبي داود في «المصاحف» ص (٤٢) كلاهما عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، وهذا مرسل، فهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي داود ص ٤١ عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، وهذا معضل مع جهالة القرشي هذا، وكرره من وجه آخر، عن قتادة، وهو مرسل ومع إرساله فيه من لم يسم، وكرره ص ٤١ - ٤٢ من وجه آخر عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن خطيم، عن يحيى بن يعمر، عن عثمان به، وهذا إسناد ضعيف لجهالة بن خطيم هذا، وهذه الروايات جميعا واهية لا تقوم بها حجة وهذا الخبر باطل لا أصل له عن عثمان، والذي صح في ذلك ما أخرجه البخاري ٤٩٨٤ عن الزهري، عن أنس، قال: فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا» وهو بعض حديث اختصره البخاري في هذه الرواية، وكرره ٤٩٨٧ عن أنس، عن حذيفة بن اليمان فذكر حديثه، وفيه «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا .... » فهذا الذي صح عن عثمان رضي لله عنه، وهو يدفع ما تقدم ويبطله، فإن عثمان بن عفان قد اختار ثلاثة من قريش وهم أفصح العرب، وأمر زيدا أن يكتب بلغتهم- أي لغة قريش- كل ما اختلفوا فيه، فإذا عثمان لم يترك شيئا لمن بعده من العرب، وهل هناك أفصح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آنذاك أم هل يخفى لحن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسكتون على ذلك، وقد كان أبي بن كعب يقوم فيهم رمضان وهم متوافرون؟ ! .
(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٦٨، وزاد المسير: ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(١٥) زاد المسير: ١/ ٤٩٨.