قال ابن عباس: " ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا مستخفين بالكذب: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} " (١).
قال الثعلبي: " أي: يستترون ويستحيون من الناس" (٢).
قال الطبري: أي: " يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية، من الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة" (٣).
قوله تعالى: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} [النساء: ١٠٨]، أي: " ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه" (٤).
قال الثعلبي: " أي: [ولا] يستترون ولا يستحيون من الله" (٥).
قال الطبري: "وقد قيل: عنى بقوله: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله}، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه" (٦).
قال ابن كثير: " هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم" (٧).
قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: ١٠٨]، أي: " وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول" (٨).
قال ابن كثير: " تهديد لهم ووعيد" (٩).
قال الطبري: " يعني: والله شاهدهم حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه" (١٠).
قال الثعلبي: " {وهو معهم} يعني علمه" (١١).
قال أبو رزين: " إذ يؤلفون مالا يرضى من القول" (١٢). وروي عن السدي مثل ذلك (١٣).
قال الزجاج: " كل ما فُكِّرَ فِيه أوخِيض فيه بليل فقد بُيِّتَ، يعني: به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول" (١٤).
وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل (١٥):
وَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ ... قاتلَكَ الله عَبْدًا كَنُودًا! !
بمعنى: بدَّلت قولي (١٦).
قال الطبري: ": وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه [أي: كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا] (١٧)، وذلك أن «التأليف»: هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره" (١٨).
(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤٠): ص ٤/ ١٠٦١.
(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.
(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.
(٤) التفسير الميسر: ٩٦.
(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.
(٦) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٢.
(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٧.
(٨) التفسير الميسر: ٩٦.
(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٧.
(١٠) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.
(١١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٣٨٢.
(١٢) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٩٤١): ص ٤/ ١٠٦١.
(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٩٤١): ص ٤/ ١٠٦١.
(١٤) معاني القرآن: ٢/ ١٠١ - ١٠٢.
(١٥) البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" ٥/ ٢٧١ وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة ١/ ١٢٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٩٠ ب، "زاد المسير" ٢/ ١٤٣، القرطبي ٥/ ٢٨٩ ..
(١٦) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٩١ - ١٩٢.
(١٧) تفسير الطبري: ٩/ ١٩١.
(١٨) تفسير الطبري: ٩/ ١٩٢.