للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.

وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة» (١) " (٢).

الفوائد:

١ - نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب بقوله: {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ (٣).

٢ - في هذه الآية دليل على النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر عنه من الخيانة أو تبرير ما ارتكبه من جريمة لغرض إسقاط ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية (٤).

٣ - وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} دليل على انتفاء حب الله لمن كان بهذا الوصف، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض فمن اللائق بالمسلم أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يكون مخالفا لله في حب ما يبغض وبغض ما يحب، فإن هذا السلوك لا يجوز أن يصدر من مسلم ملتزم بالإسلام التزاما صادقا (٥).

٤ - والآية فيها الرد على القائلين بأن: "أقوال الرسول كلها وحي" (٦)، قال الدهلوي: " وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله - صلى الله عليه وسلم - لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} وقال تعالى {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (٧) {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} " (٨).

القرآن

{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)} [النساء: ١٠٨]

التفسير:

يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه، وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول، وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.

قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} [النساء: ١٠٨]، "أي: يستترون من الناس خوفاً وحياءً" (٩).


(١) لم اجده، وقد ذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٥٦٣، والنسفي في تفسيره: ١/ ٣٩٣، والخازن في تفسيره: ١/ ٤٢٥، وأبو حيان في البحر: ٤/ ٤٧، والنيسابوري في تفسيره: ٢/ ٤٩٢، والطنطاوي في التفسير الوسيط: ٣/ ٣٠٠، وغيرهم.
(٢) الكشاف: ١/ ٥٦٢ - ٥٦٣.
(٣) انظر: الرسائل الشخصية، ج ٦، الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ١٩٣.
(٤) انظر: الموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: ١/ ٨٥.
(٥) انظر: تفسير السعدي: ٢/ ١٥٤، والموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: ١/ ٨٥.
(٦) انظر: ختصر التحفة الاثني عشرية، الدهلوي: ١/ ٢٤٩.
(٧) أخرج مسلم في قصة أسارى بدر عن عمر بن الخطاب قال: «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} فأحل الله الغنيمة لهم». صحيح مسلم: ٣/ ١٣٨٥، رقم ١٧٦٢ ..
(٨) مختصر التحفة الاثني عشرية: ١/ ٢٤٩.
(٩) صفوة التفاسير: ٢٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>