والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم، وعذا قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢).
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؛ قال:" {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} عن بدر والخارجون إلى بدر لما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ ! فنزلت:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}؛ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر"(٣).
والثالث: انها نزلت في رجل أعمى. وهذا قول عاصم (٤)، وسعيد بن جبير (٥).
عن الفَلَتان بن عاصم؛ قال:"كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأُنزل عليه، -وكان إذا أنزل عليه؛ رام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله-، قال: فكنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب:«اكتب: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}»، قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء من أمره؛ فبقي قائماً يقول: أعوذ بالله من غضب رسول الله، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اكتب: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}» "(٦).
والرابع: أنها نزلت في قوم مرضى. وهذا قول ابن عباس ايضا (٧).
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؛ قال:"هم قوم كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغزون معه؛ لأسقام وأمراض وأوجاع، وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء"(٨).
قوله تعالى:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}[النساء: ٩٥]، " أي: لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار"(٩).
قال الزجاج:" المعنى: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر، والضرر أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا أو مريضا"(١٠).
قال مقاتل:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}" يعني: عبد الله بن جحش الأسدي، وابن أم مكتوم من أهل العذر"(١١).
(١) سيأتي تخريجه. (٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠. (٣) أخرجه الترمذي في "سننه" (٥/ ٢٤١ رقم ٣٠٣٢)، والنسائي في "التفسير" (١/ ٣٩٩ رقم ١٣٧)، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٤١ رقم ١٤٩٦)، والطبري في "جامع البيان" (١٠٢٤٢): ص ٩/ ٩٢، والبيهقي في "الكبرى": ٩/ ٤٧، من طريق حجاج من محمد المصيصي عن ابن جريج: أخبرني عبد الكريم سمع مقسماً مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس: (فذكره). وسنده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه: (٣٩٥٤): ص ٨/ ٢٦٠، و (٤٥٩٥): ص ٨/ ٢٦٠. مختصراً ليس فيه اللفظ المذكور. وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور" (٢/ ٦٤١) لابن المنذر. (٤) سيأتي تخريجه. (٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٤): ص ٩/ ٩٣. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده"؛ كما في "المطالب العالية": (٣٩٣٧): ص ٨/ ٥٤٦، ٥٤٧ المسندة، و"الإصابة": ٣/ ٢٠٩، و"إتحاف الخيرة المهرة": (٧٦٣٠): ص ٨/ ٦٠، ٦١، وأبو يعلى في "المسند" (١٥٨٣): ص ٣/ ١٥٦، ١٥٧، وعنه ابن حبان في "صحيحه" (١٧٣٣ - "موارد") -، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٥٦): ص ١٨/ ٢٨٠، ٢٨١، والبزار في "مسنده": (رقم ٢٢٠٣): ص ٣/ ٤٥، ٤٦ - "كشف")، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢/ ٢٨١ رقم ١٠٣٩/ ٥٨ رقم ٢٥٩٣)، والطحاوي في "مشكل الآثار": (١٥٠٣): ص ٤/ ١٤٨، ١٤٩، جميعهم من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الفلتان به. وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات. (٧) سيأتي تخريجه. (٨) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٧٧٥): ص ١٢/ ١٢٨، والطحاوي في "مشكل الآثار": ٤/ ١٤٧، والبيهقي: ٩/ ٢٤، من طرق عن أبي عقيل الدورقي عن أبي نضرة عن ابن عباس به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": ٧/ ٩\: "رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات". قلنا: إسناده صحيح. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٤٢)، وزاد نسبته لعبد بن حميد. (٩) صفوة التفاسير: ١٧٣. (١٠) معاني القرآن: ٢/ ٩٢ - ٩٣. (١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٠.