لا يتساوى المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله -غير أصحاب الأعذار منهم- والمجاهدون في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين، ورفع منزلتهم درجة عالية في الجنة، وقد وعد الله كلا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين من أهل الأعذار الجنة لِما بذلوا وضحَّوا في سبيل الحق، وفضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين ثوابًا جزيلا.
نقل أبو حيان عن سليمان الدمشقي: أنها"نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(١).
ب وفي سبب نزول قوله تعالى:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}، أقوال:
احدها: أنها نزلت في ابن ام مكتوم، وهذا قول البراء بن عازب (٢)، وزيد بن ثابت (٣)، ابن عباس في إحدى الروايات (٤)، وزيد بن أرقم (٥)، عبدالله بن شداد (٦)، وأنس بن مالك (٧)، وقتادة (٨)، عبدالرحمن بن ابي ليلى (٩)، والسدي (١٠).
عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-؛ قال:"لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؛ دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيداً؛ فجاءه بكتف، فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته؛ فنزلت:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} "(١١).
وعن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت أخبره:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال: فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله، تبارك وتعالى، على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله، عز وجل:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} "(١٢).
وعن زيد بن أرقم؛ قال:"لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ جْرًا عَظِيمًا}؛ جاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله! أما لي رخصة؟ قال: "لا"، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير؛ فرخص لي؛ فأنزل الله:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}؛ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بكتابتها"(١٣).
(١) البحر المحيط: ٤/ ٣٤. (٢) سيأتي تخريجه. (٣) سيأتي تخريجه. (٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٣): ص ٩/ ٩٢ - ٩٣. (٥) سيأتي تخريجه. (٦) انظر: سنن سعيد بن منصور في (٦٨٢): ص ٤/ ١٣٦٠، والطبري (١٠٢٤٥): ص ٩/ ٩٣، وذكره السيوطي في الدر: ٢/ ٦٤٢. مرسل صحيح الإسناد. (٧) انظر: سنن سعيد بن منصور في (٦٨٣): ص ٤/ ١٣٦٠. وسنده ضعيف؛ فيه علي بن زيد بن جدعان، لكنه صحيح بما سبق. (٨) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٤٣)، ونسبه لابن المنذر. وهو مرسل. (٩) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٤/ ٢١٠)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٤٣)، وزاد نسبته لابن المنذر. إسناده صحيح لكنه مرسل. (١٠) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٤٧): ص ٩/ ٩٤. وسنده ضعيف جداً؛ لإعضاله، وضعف أسباط. (١١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٢٨٣١): ص ٦/ ٤٥، و (٤٥٩٣)، (٤٥٩٤): ص ٨/ ٢٥٩، ٢٦٠، و (٤٩٩٠): ص ٩/ ٢٢، ومسلم في صحيحه: (١٨٩٨): ص ٣/ ١٥٠٨ - ١٥٠٩، والإمام أحمد الفتح الرباني (٢٤١): ص ١٨/ ١١٨، والترمذي (٣٠٣١): ص ٥/ ٢٤٠، والنسائي وابن حبان في جامع الأصول: ٢/ ١٠٢، والطبري (١٠٣٣) - (١٠٣٧): ص ٩/ ٨٦ - ٨٨، وأبو عوانة في فتح الباري: ٨/ ٢٦١، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد في فتح القدير: ١/ ٥٠٣. وقد فات السيوطي أن يذكر مسلماً ضمن من خرج الحديث، لما ذكره في "الدر المنثور" (٢/ ٦٣٩)؛ فليستدرك. (١٢) أخرجه أحمد (٢١٩٣٨): ص ٥/ ١٨٤، والبخاري (٢٨٣٢): ص ٤/ ٣٠، (٤٥٩٢): ص ٦/ ٥٩، والترمذي (٣٠٣٣)، والنسائي: ٦/ ٩، وفي "الكبرى": (٤٢٩٢)، (٤٢٩٣). صحيح. (١٣) أخرجه الطبري (١٠٢٣٨): ص ٩/ ٨٩، والطبراني (٥٠٥٣): ص ٥/ ١٩٠. وسنده ضعيف؛ فيه أبو إسحاق السبيعي مدلس، وكان اختلط. وقد عنعن، ولكن الحديث صحيح على كل حال بشواهده المتقدمة.