قال مقاتل بن حيان: " يعني: عذابا وافرا" (١).
قال الزجاج: " وهذا وعيد شديد في القتل حظر الله عز وجل به الدماء" (٢).
قال الواحدي: " غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر" (٣).
قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ (٦)} الآية [الفرقان: ٦٨] وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى أن قال: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: ١٥١].
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (٤).
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح" (٥).
وفي حديث آخر: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (٦).
وفي الحديث الآخر: "لو أجمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار" (٧).
وفي الحديث الآخر: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (٨) " (٩).
وقد اختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أم منسوخة، على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة، وهو قول جماعة من العلماء (١٠)، قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: ٤٨].
وقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: ٧٠].
وحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية الفرقان، أي: نزلت بنسختها (١١).
وقال ابن الجوزي: " ذهب الأكثرون إلى أنها منسوخة بقوله {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} " (١٢).
والثاني: أنها محكمة. وهذا قول أبي هريرة (١٣)، وابن عمر (١٤)، وأبي سلمة (١٥)، وعبيد بن عمير (١٦)، والحسن (١٧)، والضحاك (١٨)، وقتادة (١٩)، واختاره أبو جعفر النحاس (٢٠)، واختلف هؤلاء في طريق أحكامها على قولين (٢١):
(١) اخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٣): ص ٣/ ١٠٣٩.
(٢) معاني القرآن: ٢/ ٩١.
(٣) الوجيز: ٢٨٢.
(٤) صحيح البخاري برقم (٦٨٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٨).
(٥) سنن أبي داود برقم (٤٢٧٠).
(٦) روي من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث البراء بن عازب، أما حديث عبد الله بن عمرو، فرواه الترمذي في السنن برقم (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧/ ٨٢) وهذا هو لفظه.
(٧) رواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٥٦٥) من طريق جعفر بن جبير بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٩٧): "فيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف".
(٨) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٢٠) من طريق يزيد بن زياد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الذهبي رحمه الله: "هذا حديث باطل موضوع".
(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
(١٠) منهم ابن حزم، انظر الناسخ والمنسوخ: ٣٥، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٩١، والمحرر الوجيز: ٢/ ٩٥ - ٩٦.
(١١) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١١٢.
(١٢) المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٢٦.
(١٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٤) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٥) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٦٨١٥): ص ٣/ ١٠٣٧.
(٢٠) في ناسخه: ١١٠ - ١١٢.
(٢١) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.