وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
يعني بذلك: ننك لماسًا (١) (٢).
أخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ" (٣). وفي رواية أخرى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٤).
وفي قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: ٤٣]، قراءتان (٥):
إحداهما: {لَمَسْتُمُ}، بغير ألف، قرأ بها حمزة والكسائي.
والأخرى: {لامَسْتُمُ}، وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.
وفي اختلاف القراءتين في {لَمَسْتُمْ} أو {لامَسْتُمُ}، قولان (٦):
أحدهما: أن {لامَسْتُمُ} ـ أبلغ من {لَمِسْتُمُ}.
والثاني: أن {لامَسْتُمُ} يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس، {وَلَمَسْتُمُ}، يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس.
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: ٤٣]، "أي: فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به" (٧).
قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: ٤٣]، أي: " فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" (٨).
قال سفيان: " تحرَّوا وتعمَّدوا صعيدًا طيبًا" (٩). وفي رواية أخرى: " "قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا}، قال: حلال لكم" (١٠).
(١) قوله: "لماسًا" أي، ملامسة. وكأنه جعل"اللميس" مصدرًا من"اللمس"، مثل"المسيس" مصدرًا من"المس". وهو قول غريب للطبري. بل أكثرهم يقول: "لميس: اسم امرأة"، ومعنى"امرأة لميس": هي المرأة اللينة الملمس.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٩٨،
(٣) تفسير الطبري (٩٦٢٩): ص ٨/ ٣٩٦.
(٤) تفسير الطبري (٩٦٣٠): ص ٨/ ٣٩٦.
قال السيد أحمد محمد شاكر مححقق تفسير الطبري: " الحديثان: ٩٦٣٩ - ٩٦٣٠ - عروة، في هذين الإسنادين: هو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة، على اليقين، خلافًا لمن زعم أنه " عروة المزني "، من اجل كلمة قالها الثوري: " ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني "! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير، فقد حدث غيره عنه.
والحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٢١٠ (حلبي)، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة " عن عروة بن الزبير ". وكذلك جاء التصريح بأنه " عروة بن الزبير "، في رواية ابن ماجه: ٥٠٢، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.
وكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه، عقب الحديث: ١٨٠، بصيغة التمريض: " روى عن الثوري ". ثم نقضها هو نفسه، فقال: " وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - حديثًا صحيحًا ".
والحديث رواه أيضًا أبو داود: ١٧٩، والترمذي: ٨٦ (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع، به. وفيهما " عن عروة " فقط، كما هنا.
وقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث، وخالفهم آخرون، فأثبتوا صحته " عن عروة بن الزبير ". وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي ١: ١٣٣ - ١٤٢. وأثبتنا صحته، وترجيح القول بأن " الملامسة " في هذه الآية هي الجماع، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا. وانظر السنن الكبرى للبيهقي، ورد ابن التركماني عليه ١: ١٢٣ - ١٢٧، وابن كثير ٢: ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٥) انظر: السبعة: ٢٣٤.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩١.
(٧) صفوة التفاسير: ٢٥٤.
(٨) التفسير الميسر: ٨٥.
(٩) أخرجه الطبري (٩٦٤٣): ص ٨/ ٤٠٧.
(١٠) اخرجه ابن ابي حاتم (٥٣٧٦): ص ٣/ ٩٦٣.