للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

روي عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" (١).

والسابع عشر: أن الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء -٤٨، ١١٦] (٢).

قال الطبري: ": وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار، وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: هي سبع يكون معنى قوله حينئذ: هي سبع على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور على الإجمال، إذ كان قوله: وقول الزور يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور " (٣).

قال أبو السعود: " واختلف في الكبائر والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد وقيل ما علم حرمته بقاطع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبع الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين" (٤).

قوله تعالى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: ٣١]، أي: " نمح عنكم صغائر الذنوب" (٥).

قال أبو السعود: " أي: صغائركم ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر" (٦).

قال الماوردي: " يعني: من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر" (٧).

وروى أبو زيد سعيد بن أوس عن المفضل عن عاصم {يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم} بالياء جميعا وقرأ الباقون بالنون (٨).

عن السدي قوله: {نكفر عنكم سيئاتكم}، قال: الصغار" (٩).

قال البغوي: " أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (١٠) " (١١).

قوله تعالى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: ٣١]، أي: " وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة" (١٢).


(١) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقي من محقرات الذنوب: ١١/ ٣٢٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤/ ٣٩٨ ..
(٢) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٤.
(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٤. وقد صنف أبو طالب المكي الكبائر بسبع عشرة: أربعة في القلب: وهي الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره. وأربع في اللسان: وهي شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث في البطن: وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم. واثنتان في الفرج، وهما الزنا واللواط. واثنتان في اليد: وهما القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين: وهو الفرار من الزحف. وواحدة في جميع الجسد: وهو عقوق الوالدين. وتعقبه الغزالي بأنه تصنيف غير شامل ويمكن الزيادة عليه. وقال: إن الكبائر على ثلاث مراتب: الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر، ويتلوه الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته، ثم يتلوه البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. المرتبة الثانية: النفوس. المرتبة الثالثة: الأموال. ثم استعرض بقية الجرائم (راجع الإحياء: ١٥/ ٤ - ٢٠).
(٤) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.
(٥) صفوة التفاسير: ٢٤٨.
(٦) تفسير أبي السعود: ٢/ ١٧١.
(٧) النكت والعيون: ١/ ٤٧٦.
(٨) انظر: السبعة: ٢٣٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ١٥٣، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٢١١.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٢٢٠): ص ٣/ ٩٣٤.
(١٠) تفسير البغوي: ٢/ ٢٠٤.
(١١) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس برقم (٢٣٣): ١/ ٢٠٩، والمصنف في شرح السنة: ٢/ ١٧٧ ..
(١٢) التفسير الميسر: ٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>