منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله، وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين}، فدل ذلك على النكاح الصحيح" (١).
روي الرَّبيع بن سبرة الجهني، عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استمتعوا من هذه النساء»، والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج" (٢).
وأما ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه (٣).
وفي تفسير قوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: ٢٤]، وجهان:
أحدهما: أنه في التزوج والمهر. قاله ابن عباس (٤)، والحسن (٥).
عن ابن عباس: "قوله: {فآتوهن أجورهن فريضة}، قال: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله" (٦).
والثاني: أنه في زواج المتعة، وقد نسخ آية الميراث المتعة. وهذا قول سعيد بن المسيب (٧).
وفي قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: ٢٤]، قولان:
أحدهما: أي آتوهن صدقاتهن معلومة، أراد الاستمتاع في النكاح بالمهور، وهذا قول مجاهد (٨)، والحسن (٩)، وابن زيد (١٠)، وأحد قولي ابن عباس (١١). وهو قول الجمهور (١٢).
والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. وهذا قول السدي (١٣)، ومجاهد في إحدى الروايات (١٤)، واستندوا فيه على قراءة أبي بن كعب: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" (١٥).
ثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة، على قولين:
أحدهما: أنها محكمة.
روي شعبة، عن الحكم قال: "سألته عن هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}، إلى هذا الموضع: {فما استمْتَعتم به منهن}، أمنسوخة هي؟ قال: لا قال الحكم: وقال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شَقِيٌّ" (١٦).
والقول الثاني: أنها منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين:
أحدهما: بإيجاب العدة.
عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: " {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} فنسختها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١]، {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨]، {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: ٤] " (١٧).
(١) زاد المسير: ١/ ٣٩٢.
(٢) أخرجه الطبري (٩٠٤٤): ص ٨/ ١٧٨، ورواه البيهقي ٧: ٢٠٣، وروى أحمد في المسند حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة، مطولا ومختصرًا، من أوجه كثيرة (٣: ٤٠٤ - ٤٠٥).
وكذلك رواه مسلم ١: ٣٩٥ - ٣٩٦، مطولا ومختصرًا.
(٣) انظر: تفسير الطبرٍي: ٨/ ١٧٩.
(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٣): ص ٣/ ٩١٩.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٤): ص ٣/ ٩١٩.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٣٣): ص ٣/ ٩١٩.
(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٣٥): ص ٣/ ٩١٩.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٠): ص ٨/ ١٧٥.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٩): ص ٨/ ١٧٥.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٢): ص ٨/ ١٧٦.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٩٠٢٨): ص ٨/ ١٧٥.
(١٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٣٩٢.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٣): ص ٨/ ١٧٦.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٩٠٣٤): ص ٨/ ١٧٦.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٩٠٤١): ص ٨/ ١٧٩.
(١٦) أخرجه الطبري (٩٠٤٢): ص ٨/ ١٧٨.
(١٧) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن: ٢/ ٣٦٣، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤، وقال: "أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما". وذكر النحاس في ناسخه: (١٠٣) قول النسخ عن ابن عباس من طريق عثمان بن عطاء.