للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأخرج أحمد أيضا عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرّ منه وهو يَتْبَعُه فَيقُولُ: أنَا كَنْ». ثُمَّ قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} " (١).

وأخرج أبو يعلى عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: " مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ. فيقُولُ: أنَا كَنزكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثم يَتْبَعه سَائِر جَسَ" (٢).

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: ١٨٠]، "أي: جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه" (٣).

قال الطبري: "أي: بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه" (٤).

قال الزجاج: " أي الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما، ليس لأحد فيهما ملك فخوطب

القوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له" (٥).

قال ابن عطية: " وقوله تعالى: {ولله ميراث السماوات}، خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل" (٦).

وإن قال قائل: "فما معنى قوله: له ميراث السموات والأرض، والميراث المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟

قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ولله ميراث السموات والأرض، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره" (٧).

قال السمرقندي: " يعني: إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول: {لمن الملك اليوم} [غافر: ١٦]. فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} [يوسف: ٣٩ وغيرها] فذلك قوله تعالى: {ولله ميراث السماوات والأرض}، يعني: يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك. وإنما سمي ميراثا على وجه المجاز، لأن القرآن بلغة العرب، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثا على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل، والله عز وجل مالكهما، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا" (٨).


(١) المسند (١/ ٣٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٢) وسنن النسائي (٥/ ١١) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٤) والمستدرك (٢/ ٢٩٨).
(٢) عزاه إلى أبي يعلى في المطالب العالية الحافظ ابن حجر (١/ ٢٥٤) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) وابن حبان في صحيحه برقم (٨٠٣) "موارد"والبزار في مسنده (١/ ٤١٨) "كشف الأستار" والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٩١) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٣٨) وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. وقال البزار: "إسناده حسن". وقال ابن كثير: " إسناده جيد قوي ولم يخرجوه". [تفسير ابن كثير:
(٣) صفوة التفاسير: ٢٢٥.
(٤) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤١.
(٥) معاني القرآن: ١/ ٤٩٣.
(٦) المحرر الوجيز: ١/ ٥٤٧.
(٧) تفسير الطبري: ٧/ ٤٤٠ - ٤٤١.
(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>