المفعول الأول عنده محذوفا تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه، وهو فصل. وقرأ الأغمش بغير {هو} " (١).
قوله تعالى: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: ١٨٠]، " أي: ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم" (٢).
قال ابن كثير: أي: "بل هو مَضّرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه" (٣).
قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: ١٨٠]، " أي: سيجعل الله ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة" (٤).
قال الطبري: أي: " سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة" (٥).
قال الزمخشري: " أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم" (٦).
قال الزمخشري: " أى: وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ} [الحديد: ٧] " (٧).
وفي قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: ١٨٠]، أربعة اوجه من التفسير:
أحدها: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع (٨)، وهذا قول ابن مسعود (٩)، وأبي مالك العبدي (١٠)، والسدي (١١)، وأبو وائل (١٢)،
والثاني: أنه طوق من النار يجعلونه في أعناقهم، وهذا قول إبراهيم (١٣).
والثالث: أن المعنى: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك. وهذا قول ابن عباس (١٤).
والرابع: أن المعنى: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم. وهذا قول مجاهد (١٥).
أخرج البخاري عن أبي هُريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدقَيْه - يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ»، ثم تلا هذه الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} إلى آخر الآية" (١٦).
وأخرج أحمد عن ابن عمَر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَان، ثم يُلْزِمهُ يطَوّقه، يَقُول: أنَا كَنزكَ، أنَا كَنزكَ" (١٧).
(١) الكشاف: ١/ ٤٤٦.
(٢) صفوة التفاسير: ٢٢٥.
(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٤.
(٤) صفوة التفاسير: ٢٢٥.
(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٣٣.
(٦) الكشاف: ١/ ٤٤٦.
(٧) الكشاف: ١/ ٤٤٦.
(٨) الشجاع: الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. وأقرع صفة من صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٨٥): ص ٧/ ٤٣٦.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٨٢٨١): ص ٧/ ٤٣٣.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٠): ص ٧/ ٤٣٨.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩١): ص ٧/ ٤٣٨.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٣) - (٨٢٩٦): ص ٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٧): ص ٧/ ٤٣٩.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٩٨): ص ٧/ ٤٣٩.
(١٦) صحيح البخاري برقم (١٤٠٣، ٤٥٦٥).
(١٧) المسند (٢/ ٩٨) وسنن النسائي (٥/ ٣٨).