للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن (١)، وابن عباس في رواية عطية العوفي (٢)، وعكرمة (٣)، وإبراهيم النخعي (٤).

والثالث: أنه يعظم أولياءه في صدوركم أو أعينكم لتخافوهم. وهذا قول السدي (٥)، وأبي مالك (٦).

والرابع: أنه يعني: المشركين يخوفهم المسلمين، وذلك يوم بدر. وهذا قول سعيد بن جبير (٧).

وعن عطاء، عن ابن عباس: " أنه كان يقرأ: {إنما ذلك الشيطان يخوفكم أولياءه} " (٨).

وفي قراءة ابن مسعود: {يخوف الناس أولياءه}، وفي قراءة أبي بن كعب: {يخوفكم بأوليائه} (٩).

قال الماتريدي: المعنى: " يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر} [يس: ١١]: ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.

ويحتمل قوله: {يخوف أولياءه}، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} [الشورى: ٧]، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: ١٢١]؛ فعلى ذلك قوله: {يخوف أولياءه}، أي: بأوليائه" (١٠).

قوله تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: ١٧٥]، "أي: فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقاً أن تعصوا أمري فتهلكوا" (١١).

قال الزجاج: " أي: لا تخافوا المشركين، إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا حقيقة لإيمانه" (١٢).

قال الثعلبي: أي: " وخافون في ترك أمري، إن كنتم مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر" (١٣).

قال السمرقندي: أي: " {فلا تخافوهم} في الخروج، {وخافون} في القعود، إن كنتم مصدقين" (١٤).

قال الماتريدي: " أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، {وخافونْ} أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: ١٠٠]، أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة" (١٥).

قال الزمخشري: أي: " {فلا تخافوهم} فتقعدوا عن القتال وتجبنوا، {وخافون} فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به، {إن كنتم مؤمنين}، يعنى: أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: ٣٩] " (١٦).


(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٨.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.
(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٢٦١): ص ٧/ ٤١٧.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٤): ص ٣/ ٨٢٠.
(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٥٣٦): ص ٣/ ٨٢١.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٣٣): ص ٣/ ٨٢٠.
(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٥.
(١٠) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٥.
(١١) صفوة التفاسير: ٢٢٤.
(١٢) معاني القرآن: ١/ ٤٩٠. [بتصرف].
(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٥.
(١٤) تفسير السمرقندي: ١/ ٢٦٦.
(١٥) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٣٦.
(١٦) الكشاف: ١/ ٤٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>