قال ابن عطية: " الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثُمَّ إِلَيَّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين" (١).
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم (٢).
٢ - تذكرة احوال الأنبياء السابقين لما فيها من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم.
٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، لأن ذلك لايسمى قولا، وإن اطلق عليه القول فلابد ان يقيد كما في قوله: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: ٨]، وأما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع.
٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه.
٥ - أن الله تعالى رفع عيسى بجسمه، لقوله: {ورافعك}، والخطاب لعيسى المون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.
٦ - ومنها: إثبات منقبة لرسولنا الكريم-صلى الله عليه وسلم- إذ رفعه الله في الاسراء والمعراج وهو يقظان، وعيسى لم يرفع إلا وهو نائم، وذلك على قول من قال أن معنى: {متوفيك} أي منيمك.
٧ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة، لقوله: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وأتباعه هم امة محمد-صلى الله عليه وسلم-، واما من كفر بمحمد-عليه السلام- فهو لم يتبع عيسى.
٨ - ومنها: إثبات يوم القيامة، لقوله: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وأنه يوم الجزاء، فقال: {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}.
٩ - إن مرجع الخلائق إلى ربهم عزّ وجل غذ تكون النهاية إليه وحده، لقوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ}.
١٠ - إثبات حكم الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال: {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}، هذا في الآخرة، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: ١٠]، فهو تعالى الحكم في الدنيا والآخرة.
١١ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار الحكم العدل الذي يظلم مثال ذكرة، وقد أخبرنا تعالى ان الخاصم الغالب هم المؤمنون، فقال: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: ١٤١].
١٢ - إثبات علم الله تعالى، لأنه لا حكم إلا بعد علم.
القرآن
{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)} [آل عمران: ٥٦]
التفسير:
فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: ٥٦]، أي: " فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى وخالفوا ملتك" (٣).
قوله تعالى: {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [آل عمران: ٥٦]، أي: " فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم" (٤).
قال أبو مالك: " فهم أصحاب النار يعذبون فيها" (٥).
(١) المحرر الوجيز: ١/ ٤٤٥.
(٢) انظر: تفسير السعدي: ١/ ١٣٢.
(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.
(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٤٦٥.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٩٥): ص ٢/ ٦٦٣.