قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء" (١).
وقال ابن كثير: " وقيل - وهو مذهب الجمهور -: المراد بقوله: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} للأداء، لحقيقة قوله: {الشُّهَدَاء} والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم" (٢).
نفهم من الكلام بأن الشهادة "فرضُ ذلك على مَن دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره، فأما إذا وُجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخيَّر، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب" (٣). وهذا قول الشعبي (٤)، وروي عن الربيع (٥) , وابن عباس (٦)، وقتادة (٧) نحو ذلك.
كما وتكون الشهادة واجبة: إذا تعينت عليه؛ بأن يعلم أنه إذا لم يؤدها ضاع الحق، قال في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: "ولا يحل لأحد الشاهدين أن يمتنع من الأداء، ويحيل المشهود له على يمينه مع الشاهد الآخر؛ لأن في الحلف كلفة، وكثير من الناس من يكره اليمين ولو تحقق صدق حلفه، فإن فعل الشاهد ذلك فهو آثم؛ لقوله تعالى: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} الآية"، (٨) وهل تتعين إذا دعي إليها وقد تحملها غيره؟ قولان:
الأول: يؤثم؛ لأنه تعين بدعوته، وهو منهي عن الامتناع؛ لقوله تعالى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: ٢٨٢].
والثاني: لا يأثم؛ لأن غيره يقوم مقامه، والأول أصح (٩).
وقوله تعالى: {وَلا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: ٢٨٢]، " أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً إِلى وقت حلول ميعاده" (١٠).
روي " عن مقاتل، في قول الله: {ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله}، جمعت الصغير والكبير في الدين، سواء أمر أن يشهد عليه، وأن يكتب" (١١).
وروي " عن سعيد بن جبير، في قول الله: {إن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله}، يعني: أن تكتبوا قليل الحق وكثيره إلى أجله لأن الكتاب أحصى للأجل والمال" (١٢).
قال الواحدي: " لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر" (١٣).
(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٨٣.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٥.
(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٦٩.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٧٠): ص ٦/ ٦٩، ولفظه: ": إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره شهد".
(٥) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٠٠١): ص ٢/ ٥٦٣. ولفظه: " كان الرجل يطوف في القوم الكثير، يدعوهم ليشهدهم، فلا يتبعه منهم أحد فأنزل الله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا".
(٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٣٠٠٢): ص ٢/ ٥٦٣. ولفظه: " قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}، يعني: من احتيج إليه من المسلمين، فشهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي".
(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٥٦٣. نقل عنه دون ذكر السند.
(٨) (٢/ ٩٣).
(٩). السيل الجرار ٦/ ٧٧.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١٦١.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٠٤): ص ٢/ ٥٦٤.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٠٠٥): ص ٢/ ٥٦٤.
(١٣) تفسير الوسيط" ١/ ٤٠٥.