للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق" (١)، وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار" (٢) " (٣).

و(الكاف) في قوله تعالى: {كَمَا} [البقرة: ٢٨٢]، تحتمل وجهين (٤):

أحدهما: أن تكون للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه.

والثاني: أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة.

وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك، وذكروا وجوها (٥):

أحدها: أنه فرض على الكفاية كالجهاد، قاله مجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وعامر (٨)، والربيع (٩).

والثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه، قاله السدي (١٠)، والشعبي (١١)، وعطاء (١٢)، ومقاتل (١٣).

والثالث: أنه ندب، قاله مجاهد (١٤).

والرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ}، قاله الضحاك (١٥)، والربيع (١٦)،

قال الطبري: " ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه" (١٧).

وقال ابن عطية: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧] وهو من باب عون الضائع" (١٨).

وقال الرازي: "نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (١٩) " (٢٠).

قوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ} [البقرة: ٢٨٢]، " أي: تلك الكتابة المعلمة" (٢١).


(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥١٨) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٢٤.
(٤) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٥) أنظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥١ وما بعدها.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٦٣٣٩)، و (٦٣٤١)، و (٦٣٤١): ص ٦/ ٥٢، وابن أبي حاتم (٢٩٦٠): ص ٢/ ٥٥٦.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٠): ص ٦/ ٥٢.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٥): ص ٦/ ٥٣.
(٩) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: (٢٩٦٥): ص ٢/ ٥٥٧، وانظر تفسيره: ٢/ ٥٥٦. ذكره دون سند.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٥): ص ٦/ ٥٣، وابن أبي حاتم (٢٩٦٢): ص ٢/ ٥٥٧.
(١١) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٦.
(١٢) أنظر: تفسر ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٥٦. ذكره دون سند.
(١٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٦١): ص ٢/ ٥٥٧.
(١٤) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٥٥.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٣٤٣): ص ٦/ ٥٢.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٣٤٤): ص ٦/ ٥٣.
(١٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٣٠٥٤.
(١٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٩.
(١٩) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص ١٠٩: وسنده حسن.
(٢٠) مفاتيح الغيب: ٧/ ٩٢.
(٢١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٣٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>