للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عطية: " وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و {سَلَفَ}، معناه: تقدم في الزمن وانقضى" (١)، قال أبو حيان: "وهذا على قول من قال: الآية مخصوصة بالكفار، ومن قال: إنها عامة فمعناه: فله ما سلف، قبل التحريم" (٢).

قال الشنقيطي: " ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: ٩٣]، وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٢] أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٣].

وقال في الصيد قبل التحريم: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: ٩٥].

وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.

ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم -والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين (٣) وأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: ١١٣]، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥]، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه" (٤).

قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ} [البقرة: ٢٧٥]، " أي: أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه" (٥)

قال المخشري: " يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به" (٦).

وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ} [البقرة: ٢٧٥]، خمسة أوجه (٧):

أحدها: في المحاسبة والجزاء. ويكون الضمير عائدا على (المنتهي) بعد التحريم.

والثاني: في العفو عنه وإسقاط التبعية. وذلك أن يكون الضمير عائدا على {ما سَلَفَ}.

والثالث: في العصمة والتوفيق. روي ذلك عن سعيد بن جبير (٨)، ومقاتل (٩).

وذلك أن يكون الضمير عائدا على (ذي الربا)، بمعنى: "أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا"" (١٠).


(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢.
(٢) البحر المحيط: ٢/ ٢٥٣.
(٣) صحيح البخاري (٣٦٧١): ص ٣/ ١٤٠٩ باب قصة أبي طالب.
(٤) أضواء البيان: ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.
(٦) الكشاف: ١/ ٣٢١.
(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٧٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٥.
(٨) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٩٠١): ص ٢/ ٥٤٦. ولفظه: " يعني: بعد التحريم، وبعد تركه، إن شاء عصمه، وإن شاء لم يفعل".
(٩) نقلا عن: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٥٤.
(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٦١، وانظر: روح المعاني: ٢/ ٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>