باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا:{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا! " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: " يحتمل أن يكون من تمام اعتراض الكفار حيث قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}[البقرة: ٢٧٥] أي: فلم أحل هذا وحرم هذا؟ ويحتمل أن يكون رداً عليهم، ويكون اعترافهم بحكم العقل، والرد عليهم بحكم الشرع الذي لا معقب لحكمه، وعلى الثاني أكثر المفسرين (٢).
واستبعد بعض الحذاق الأول (٣)، وليس ببعيد إلا من جهة أن جوابهم بقوله:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} إلى آخره يحتاج إلى تقدير، والأصل عدمه" (٤).
قوله تعالى:{وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرِّبَا} أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع" (٥)(٦).
(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩. (٢) نسبه لأكثر المفسرين الرازي في مفاتيح الغيب: ٧/ ٩٩، وصححه من ثلاثة وجوه: الأول: أن القول بأن الجملة من كلام الكفار يحتاج إلى إضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين، والإضمار خلاف الأصل. الثاني: أن المسلمين أبداً كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية، ولو كانت من كلام الكفار لما فعلوا ذلك. الثالث: أنه تعالى ذكر عقبها {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ}، وظاهر ذلك أنهم لما ذكروا الشبهة {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} كشف الله عن فسادها، ولو لم يكن قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً، وبالتالي لم يكن قوله: {فَمَنْ جَاءَهُ} لائقاً بهذا الموضع. وقال أيضاً: بأنه من كلام الله تعالى جمع من أهل العلم: كالواحدي في البسيط: ١/ ١٦٤ ب، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٣٣٥، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٣٤١، والسمين في الدر المصون: ١/ ٦٦٣، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٦٦، والألوسي في روح المعاني: ٣/ ٥٠، وغيرهم، وهذا القول هو الأظهر. (٣) أظنه يريد السمين في الدر المصون: ١/ ٦٦٣ فإنه قال بعد إيراده له: (وهو بعيد جداً). (٤) الفتح: ٨/ ٥١. (٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨. (٦) وللشافعي في قوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا، فعلى هذا اختلف في قوله، هل هو من العموم الذي أريد به العموم، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين: أحدهما: أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص. والثاني: أنه عموم أريد به الخصوص. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن العموم الذي أريد به العموم: أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص. والفرق الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ، وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به، [هذا] أحد أقاويله: والقول الثاني: أنه المجمل الذي لا يمكن [أن] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها، هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين: أحدهما: أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها. والثاني: أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت بالسنة مجملة. وإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه: هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً. والوجه الثاني: أن الإجمال في لفظها ومعناها، لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً، فهذا شرح القول الثاني. والقول الثالث: أنها داخلة في العموم والمجمل، فيكون عموماً دخله التخصيص، ومجملاً لحقه التفسير، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في المعنى، فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص، والمعنى مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثاني: أن عمومها في أول الآية من قوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، وإجمالها في آخرها من قوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا}، فيكون أولها عاماً دخله التخصيص، وآخرها مجملاً لحقه التفسير. والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً، فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عاماً، فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان، في العموم بعد البيان. [انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠].